الثلاثاء، 12 مايو، 2015

العار Shame لستيف ماكوين .. الخلاص في الجنس

يبتلعك المكان، يستعبدك، يسلب منك وجودك، يدمجه في زحامه، يضبطه على إيقاعه، يدرجه في قوالبه الصارمة وحين لا يلوح لك سبيل للخلاص قد تبحث عنه في أعماق نفسك، في أكثر أنفاقها ظلاماً وأرجائها جهالة، في الجنس، في عوالم اللذة السحيقة .. 
هذا هو ما يحدث لبراندون (مايكل فاسبيندر) في أفضل أفلام الأمريكي ستيف ماكوين Shame أو العار، فحياته المنتظمة الباردة لها جانب مظلم سرعان ما نتعرف عليه في دقائق الفيلم الأولى، إدمانة للمجلات والأفلام الإباحية، للتسوق الجنسي والعلاقات العابرة مع المومسات..

 يبدو براندون وحيداً، لا حبيباً إلى جانبة ولا صديقاً يوده، يستنفزه العمل نهاراً وينكب على الجنس ليلاً، يبقى هادئاً ملتزماً بإيقاع حياته البارد، سارقاً من الليل ساعات قليلة للمتعة العابرة التي يفرغ فيها أحماله، يترك العنان لشهوته ويترك نفسه غائبة في دنياها التي تعفي العقل من ظنونه والقلب من مخاوفه. أما السعادة فهي شيء أخر. لم يعرفه براندون. بل يبدو أنه لا يعرف أصلاً كيف يمكن الشعور بها.


يخرج إيقاع حياته عن مداره حين تزوره أخته فجأة وتبقى في منزلة، هي أيضاً ضائعة، لم يحكي لنا الفيلم الكثير عن حياتها، نراها مكتئبة، هشة، مجروحة، سريعة البكاء والإهتياج ولا نعرف ما الذي وراء ذلك. نعرف فقط أنها في حاجة إليه وأن دخولها حياته قد قلبها رأساً على عقب. فمغامرات الليل الجنسية لم تعد ممكنة، لا زيارات العاهرات ولا حتى ممارسة العادة السرية أمام المقاطع الساخنة، حتى ذلك الحاجب الذي كان يفصل بين نهاره وليله، بين عمله وبيته، بين وظيفته ومغامراته، حتى هذا الحاجب قد سقط بعد أن دخلت أخته في علاقة عابرة مع مديره في العمل الذي يقضي معها ليلة في بيته.
 هنا يصل الفيلم بنا الى ذروته الدرامية في مشهد من أفضل ما قدمته السينما الأمريكية في سنواتها الأخيرة، حيث يعي براندون أنه صار عبد لشهوته، أنه عاجز عن معايشة من حوله، أن وحدته مع خيالته الجنسية هي كل ما يملك، يرتدي براندون ملابسه الرياضية وينطلق يجري في مساء المدينة التي ابتلعته على موسيقى prelude لباخ يعزفه جلين جولد ربما انطفئت نيران رغبته وهدأ روعه، ربما يأتي النهار التالي بأمل، بمخرج من الهاوية..


حين يدرك براندون مأساته، حين يحاول أن يحب، أن يقيم علاقة دعونا نسميها مجازاً بالسوية، يكون الجنس فيها وسيلة لا غاية، معبراً للإلتقاء الإنساني لا منفذاً للرغبة فحسب، يفشل. لقد حكم عليه بالضياع وأي محاولة في الهروب باتت بلا طائل، عندها يفتح لنفسه كل بوابات السقوط، يهبط إلى أسفل أدراج الهاوية، يلقي بنفسه في أعماق اللذة، مدفوعاً بشبق شيطاني لا يعرف وجل أو خجل، ولايبدو فيه حتى مجالاً لاختيار حر  ولا يشبع في ظمأه إلا بهلاكه …

ينتهي الفيلم بنهاية مأساوية، تنتحر الاخت في نفس الليلة التي يسلم فيها براندون نفسه لشبقة بلا مقاومة، ويقف هو وحيداً ومن خلفه المدينة الهائلة، يبكي هلاكه المحتوم وانسانيته المسلوبة وفي أذاننا أصداء أخر ما قالت له اخته: لسنا أشرار. نحن جئنا فقط من مكان شرير. 

الاثنين، 27 أبريل، 2015

الطبلة الصفيح في السينما ... في رثاء جونتر جراس


فقدت ألمانيا مؤخراً واحداً من أعظم مثقفيها ومن أهم من أثروا حياتها الثقافية والسياسية في فترة مابعد الحرب الكبرى. أديب نوبل الكبير جونتر جراس 1926-2015 ،صاحب إحدى أهم الملاحم الأدبية في القرن العشرين، رواية الطبلة الصفيح التي صدرت عام 1959 لتنال حينها نجاحا غير مسبوق ويستقبلها النقاد بحماس منقطع النظير بقيت أصداءه محسوسة إلى يومنا هذا.

عني صدور هذه الرواية الضخمة ولادة جديدة للأدب الألماني المعاصر، مصالحة ثقافية مع هوية ألمانيا بعد الهزيمة ومع العار، مصالحة عمادها مواجهة الذات بنفسها وبالتاريخ، تعريتها ثم جلدها.


كان على جراس أن يقسو على اللغة كي تكون ممكنة، كي تجروء من جديد على الصياغة، كان عليه أن يجوب بها مغامراً مناطق درامية ونفسانية مظلمة، أن يكون عنيفاً بل مقززاً، كي يصبح لأدب مابعد الكارثة  في ألمانيا معنى، كي يصبح الأدب قادراً على التعبير، على استشراف المستقبل باستهجان الماضي، على مخاطبة الإنسان لا في ألمانيا وحدها بل في العالم كله.

بعد عشرين عاماً من صدورها تشاء الأقدار أن تعود الطبلة الصفيح لتشغل الإهتمام الإعلامي والثقافي في ألمانيا وخارجها وذلك بعد أن حولها فولكر شلوندورف أحد رواد الجيل الذهبي للسينما الألمانية الجديدة، إلي فيلم سينمائي عظيم فاق الرواية شهرة وانتشاراً.
كان فيلم الطبلة الصفيح أول فيلم ألماني ينال جائزة الأوسكار والفيلم الألماني الوحيد الذي يجمع بين الأوسكار وسعفة كان الذهبية محققاً بذلك إنجازاً تاريخياً لم يحدث غير مرات قليلة.

كان شلوندورف قد اشتهر بتحويله لعدد من الأعمال الأدبية المهمة إلي أفلام سينمائية، تورلس Der junge Törless لروبرت موسيل عام 1966، كولهاس Michael Kohlhass- Der Rebell لهاينريش فون كلايست، 1967 بعل Baal لبرشت 1970 ثم شرف كاترينا بلوم الضائع لهاينريش بول  (وهي بالمناسبة الرواية التي أخذ عنها هنري بركات فكرة واحد من أسوأ أفلامه على الإطلاق، تحقيق مع مواطنة، الذي قامت ببطولته نبيله عبيد). وحين عُرضت عليه فكرة تحويل الطبلة الصفيح إلى فيلم سينمائي تراجع في البداية رافضاً اعتقادا منه في استحالة ذلك ليس فقط لضخامة الرواية وطول الحقبة الزمنية التي تتناولها ولكن أيضاً لصعوبتها لغوياً ودرامياً على السواء، فأي فيلم هذا الذي يكون بطله الرئيسي قزماً قد اختار بنفسه أن يكون كذلك ثورة منه على عالم البالغين بوضاعته وخسته ؟

"أظل على رفضي في قبول الفيلم إلى أن يحدث وأن يرتسم مشهد من مشاهد الرواية بقوة في خيالي، أوسكار وماريا بملابس بحر على موضة الثلاثينيات، الشاطيء وكبائنه الخشبية ذات العيون السحرية، أجد نفسي منجذباً لفكرة الفيلم فقط من خلال هذه الصور ودون أن يكون لدي أدني تصور عن الذي يمكنني فعله بعد ذلك. كنت أشعر فقط انني سأحتاج لسنوات عديدة لإنجاز هذا العمل"
مشهد من الطبلة الصفيح


هذا ما يروية فولكر شلوندورف في يومياته (١)التي كتبها عن فترة عملة بالفيلم أخذاً في ذلك بنصيحة جونتر جراس نفسه الذي اقترح عليه أن يدون كل ما يخطر في باله أثناء العمل في الفيلم بقدر المستطاع، لا يهم أن يكون ما يكتبه منمقاً أو واصفاً لأحداث غير عادية، عليه أن يكتب ما يشعر به فحسب بلا مبالغة أو تصنع ..

"‬ قرأت الرواية لمرات عديدة، إمتلاء الكتاب بعلاماتي الخاصة هنا وهناك، صفحات عديدة أثنيتها بنفسي، يبدو أنني في حاجة إلى نسخ عديدة منه، بائعي الكتب يقولون أنهم لم يعودوا يبيعون هذه الرواية، لا أحد يقرأها اليوم، لن يقعدني قولهم عن العمل في الفيلم بل بالعكس، سيكون من الأفضل أن تكون مهمتي إعادة اكتشاف الراواية"‬

بالطبع لم يكن بالإمكان أن يتناول الفيلم كل ما جاء في الرواية. اختار شلوندورف أن يتوقف عند نهاية الحرب العالمية الثانية ويترك كل ما جاء في الكتاب عن حياة أوسكار بعد ذلك. كان يفكر في تناول ذلك في جزء ثانٍ لم يرى النور أبداً وأظن أنه لم يعد من الممكن الإقدام على عمل كهذا لا اليوم ولا في المستقبل القريب.

لم تكن مهمة اقناع جونتر جراس بالسيناريو بالأمر البسيط، اختلفت وجهات النظر واحتدمت النقاشات بينه وبين شلوندورف‪..‬
"زيارتي الأخيرة لجراس أصابتني بالقلق. بالطبع أريده أن يعجب بالفيلم في النهاية ولكنني لا استطيع أن أراه بعينه وبضميره.. أريد أن أجد علاقتي الشخصية بأوسكار، أن أبحث عنه في نفسي، في طفولتي، لا استطيع أن أحكي في أفلامي عن شخصيات لا أجد نفسي فيها"‬
وفي موضع أخر يروي شلوندورف كيف زار جراس موقع التصوير وأخذ يسهب في توجيهاته للممثلين باسلوب لم يرض شلوندورف بتاتاً مما اضطره في النهاية لأعادة التصوير.



لم تكن مهمة شلوندورف سهلة. واجهة الفيلم مشاكل انتاجية عديدة كادت أن تقضي عليه حتى قبل أن يولد، يحكي عنها شلوندورف في يومياته واصفاً كيف سافر متنقلاً بين ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة للحصول على التمويل اللازم لإنجاز عمل ملحمي كهذا.
Tell me the story in three lines هذا ما كان يقوله الأمريكان له حين حاول الحصول على دعمهم الإنتاجي.
استمرت المشاكل أيضاً أثناء التصوير الذي استمر شهوراً عديدة متنقلاً بين ألمانيا، فرنسا وبولنده ويوغسلافيا السابقة بفريق يضم أفراداً من كل هذه الجنسيات بالإضافة لأمريكين وإيطاليين.

"متاهة لغات، بلبلة لا حدود لها، لا أحد يعرف أحدا ولا ما الذي عليه تحديداً أن يفعله، حتى انني اقترحت ان يضع كل فرد بطاقة باسمه فوق ملابسه وكأننا في مؤتمر أمريكي"‬

بالفعل أعاد الفيلم اكتشاف الرواية التي جذبت، على صعوبتها، في أعقاب نجاحة جيلاً جديداً من القراء والمعجبين وساهم بلا شك في تشكيل ملامح اسطورة جراس الأدبية.

بقت الطبلة الصفيح اشهر روايات جراس، ارتبط اسمه بها إلى الحد الذي جعل بعض النقاد، رغم كثافة انتاجه الأدبي، يعتبرون كل ما كتبه مقارنة بها قليل القيمة، كأنه لم يكتب سواها.
فولكر شلوندورف كذلك بقي اسمه مرتبطا بالطبلة الصفيح وبقيت أعماله الأخرى، ما سبق منها وما لاحق، وكأنها مجرد تنويعات على ذورة فنية لم يستطع بلوغها مرة أخري.

(١)‬ نشرهاعام ٢٠٠٨ في كتاب Licht‪,‬ Schatten und Bewegung‪.‬ Mein Leben und meine Filme أو"‬ ظل ونور وحركة. حياتي وأفلامي"‬

الأربعاء، 17 ديسمبر، 2014

ملح الأرض لفيم فندرس .. الفوتوغرافيا بلغة السينما

بعد النجاح الكبير الذي ناله فيلمه الأخير عن الراقصة والمصممة الأسطورة "بينا باوش"، يقرر فيم فندرس أن يعلن للعالم بفيلم جديد إمتنانة لفنان من طراز أخر، أثر فيه بقدر لا يقل عن تأثير بينا باوش. "ملح الإض" فيلم وثائقي غير تقليدي عن حياة وفن مصور فوتوغرافي عالمي هو البرازيلي سباستيو سالجادو Sebastião Salgado
جاء لقاء فندرس الأول بسالجادو منذ قرابة عشرين عاماً، لقاء فني صرف يشاهد خلاله المخرج الألماني في سنواته الذهبية )باريس،تكساس1984، السماء فوق برلين(1987 أعمالاً لسالجدوا في إحدى المعارض فيجذبه عالمه منذ ذلك الحين ويتيمه سحر صورة بالذات، إمرأة الطوارق العمياء، أحد أعمال سالجالدو المبكرة.

أن تكتب وتنفذ فيلماً عن مصور فوتغرافي هي مهمة ليست بالبسيطة على كل حال، وتجربة تختلف عن تلك التي سبقتها مع بينا باوش، فبغض النظر عن شهرتها التي تفوق شهرة سالجادو، فإن عروضها وتصميماتها تحوي مادة فنية غنية بالحركة والتشكيل والإيقاع، أي كل الأدوات التي يمكنك من خلالها صناعة فيلم جيد.
 سالجادو مصور، مادته على روعتها وعمقها ساكنة، ورغم مافيها أحياناً من فكر وتشكيل سينمائي يذكر بالمخرج بالمجري بلا تار Bella Tar فإن الحركة والنطق يعوزنها بالضرورة. مهمة فيندرس لن تكون مهمة اختيار الصور والقصص التي تلائمها في تجارب بطلة وحياته فحسب، بل ستكون في الأساس مهمة إنطاق تلك الصور بلغة ومنطق يلائما السينما كأداة فنية مختلفة ويخاطبا جمهورها. خاصة إذا كان ذلك جمهور لمخرج في حجم ومكانة فيم فندرس، ما يتوقعه منه هو شيء بعيد كل البعد عن الريبورتاجات الوثائقية عن مشاهير الفنانين والكتاب والساسة التي تتهاتف عليها تلفزيونات العالم. 


يجتاز فيم فندرس صعوبات المهمة، خبرة السنوات الطويلة في المجاليين الروائي والتسجيلي تعفيه من الوقوع في أخطاء غير محسوبة، يبدأ الفيلم بداية قوية تقدم لنا النموذج السردي الرئيسي للمائة دقيقة القادمة، سالجادو يجلس في غرفة مظلمة، يتوسط الكادر، يشاهد صوره واحدة بعد الأخرى ويروي بنفسه ظروف وملابسات إلتقاطها. تراقب الكاميرا تفاصيل الصور، تارة قريبة تارة بعيدة، تارة ساكنة وتارة في حركة ناعمة، محاولات دؤوبه بالأبيض والأسود لاستكشاف هذا العالم الفريد برؤى عديدة وزوايا مختلفة لعل جديداً يكشف عنه أو يخرج للنور مجهول. 
خطان سرديان أخران يتعاقبان وهذا النموذج الرئيسي، فتنتقل المادة الوثائقية بين مستويات مختلفة تجنبها رتابة الإيقاع وإن كان كم الصور التي عرضها فندرس قد طغي على الكيف وآفقد الفيلم بذلك بعض تماسكه. في  الخط الأول نصاحب سالجادو أثناء رحلات بحثة مع عدسته عن عوالم جديدة تستلهمه،  في سيبريا كانت أو بابوا، مواد أرشيفيه أو مشاهد هي أروع ما في الفيلم، كان فيها فيندرس لسالجادو رفيقا في السفر، فنشاهده في لحظاته الحميمة بينه وبين عدسته، يجوبان سوياً السهول والجبال، يتشاركان وكلاب البحر لحظات الخوف والمرح أو يراقبان دب قطبي ساعات لأجل إلتقاط ولو صورة واحدة، إلى أن يغلب النعاس سالجادو والدب أيضا.
 حتى فيندرس وكاميرته ومدير تصويره لم يسلموا من شغف سالجادو الدائم، تلتقطهم عدستة في لحظة خاطفة أثناء تصويرهم، فكأنما سقطنا نحن جمهور الفيلم في تلك اللحظة أيضا فرائس لمجال عدسة سالجادو، كأنما صار الفيلم كله بمخرجه وجمهوره صورة من صورة.. 


في الخط الثاني  نشاهد سالجادو في وطنه، في مزرعة أبيه التي جعلاها هو وزوجته جنة من جديد بعد أن كانا التصحر والجفاف قد أتى عليها لتصير عجافا لعقود متوالية، هناك أيضا يصل الفيلم لمحطته الأخيرة وينتهي بطاقة أمل يبدو فيها المستقبل مليئاً بالبشائر والوعود، واثقاً في الإنسان المبدع بعد أن كان سالجادو قد أعلن كفره بالإنسان والبشرية من قدر انعدام العدالة وهول ما رأه من مأسي الحروب وقذارة السياسة، حتى كاد أن يغلق عدسته في وجه الإنسان ويقصرها على الطبيعة وصور أخرى للحياة فيها قد تكون أرقى وأشرف.

حياة سالجادو الغنية بقربها من البشر بكل ألاوانهم وفي كل مناقبهم، وفنه الملتزم فكرياً واجتماعياً، هما ما يجعلا من سالجداو نفسه مفارقة لنفسه نموذج مشرف للإنسان الذي كاد هو أن يكفر به. 


الجمعة، 28 نوفمبر، 2014

صباح لا تموت

صباح لا تموت. هذه إشاعة جديدة في سلسة الإشاعات التي لا تنتهي، أو ربما تكون هذه بالفعل أخر الإشاعات. صباح ميتموتشي .. هذه إشاعة مثلها مثل كل ما سبقها من الإشاعات، ولكن لم يطلقها هذه المرة المغرضون أو الحاقدون أو المتسلون بأخبار أهل الفن ومصائبهم يتناسون بأكاذيبهم خوائهم أو يأسهم، الإشاعة أطلقتها صباح بنفسها وعلى نفسها.. هي من يدعي الموت

من منا لا يحب أن يكون صباح ؟..

لموالها خشعت الآذان وفي حضرة جمالها طارت القلوب وراحت العقول، فُرشت لها الأرض حرير، ترامت قبلات العشاق على قدميها، لمع صدرها ذهباً وماساً ونعم قدها بأعاجيب الفساتين وكأنها شهرزاد الحواديت، شربت من النور وشهدت ألف مجد ومجد، عاشت ورأت وأحبت ثم ملت، تعبت، سكتت عن الكلام المباح والغير مباح، أدعت الموت الذي كرهته ونامت..

صباح لا تموت، لو كانت صباح تموت لصار كل شيء جائز، قد تغادر الكواكب مداراتها، قد تنطفىء النجوم، قد يصبح للسلم الموسيقي ثلاثة نغمات فقط، قد لا تصبح باريس مدينة الحب، أو يأتي الصيف بلا ليال دافئة ،قد يبكي القمر، قد لا يطلع الصباح..


المرة الأولى التي رأيت فيها صباح كانت على غلاف إحدى أعداد مجلة الموعد اللبنانية التي كان يرأس تحريرها بديع سرابيه، أظن أن العدد قد صدر عام ١٩٨٢ واحتفظت به أمي هو وأعداد أخرى  لسنوات عديدة، لفتت صورة صباح انتباه الطفل الذي كنت، فراشة متلونة شقراء كالشمس يتدلى شعرها إلى صدرها في تموجات لا تنتهي يجلس فوق رأسها تاج لامع وعلى وجهها ابتسامة نضرة فرحة لا تملك حين تراها إلا ردها ولو في الخفاء

داخل العدد كانت هناك صور أخرى لها بفساتين عدة متنوعة الألوان والتصاميم، الجيب ذات الوسط الساقط، الفساتين الطويلة المنفوشة، بدلة جلد النمر، هذا غير المجوهرات والأكسسوارات، عالم مبهر الأشكال والألوان..

 لم أكن أعرف أن تلك الفراشة المبتسمة هي صاحبة الأغنية التي لطالما غنتها لي أمي .. أكلك منين يا بطة أكلك منين.. في فراولتين في شفايفك حلوين حلوين، صحيح أن الأغنية في الأساس لبنت لا لولد، ولكن ذلك عند أمي سواء، فأنا "بطتها"، بل وأمورتها الحلوة أيضا. 

ثم تبين لي أن خالاتي وأمي في نميمتهم يذكرن اسم صباح بين الحين والحين، يتغامزن ويلمزن، يصفنها بالمتصابية، يحسدنها على جمالها وعلى وسامة زوجها الشاب (فادي لبنان)، يشهدن لها في الوقت ذاته بعظمة الصوت وخفة الدم، يتغنين بابن الحلال ويانا يانا وألو بيروت وهنا القاهرة بلاءلاء ويادلع دلع ،يحزن على حزنها ويفرحن مع فرحها في الأيدي الناعمة  وشارع الحب والرجل الثاني والمتمردة والعتبة الخضراء

لو كانت فيروز إله للعشق عند العرب، فإن صباح أسطورتهم الحية، هي التي أرادت أن تكون أسطورة وعاشت سنوات عمرها المديد بمقتضى هذه الإرادة، وقفت في وجه الزمان طامعة في الخلود، عاندها وعاندته، وحين ألحق بها الهزائم صمدت مكتفية بتاريخ من الانتصارات تُكتب فيه   القصص والملاحم ..

يخيل إلي أن صباح كانت هاجس لفنانين عاصروها، اختفوا من الساحة أو أخفاهم الخوف لطالما عجبوا صمودها، حباً لها تارة وحقداً عليها تارة أخرى وتارة ثالثة رفقة بها وبنفوسهم الضعيفة، ستظل صباح نفس الهاجس لفنانين جائوا بعدها وأخرين لم يجيئوا بعد، بل نفس الهاجس لسواهم من البشر، بل هاجس شخصي لي أنا أيضا ودرساً في الإيمان بالنفس وحب الحياة..

ستظل أم الشموش، أيه البهجة وبسمة الأمل..

الثلاثاء، 19 أغسطس، 2014

عن أنوثة ما بعد الستين: أيام فاني أردنت الجميلة!



جميلات السينما في فرنسا كالعطور هناك، لكل منهن عبق خاص ورونق أخاذ وبصمة لا تستبدل، ومن بينهن جميلات تذددن فتنة وجلالاً مع مرور الزمان، على رأس هؤلاء كاترين دونوف Catherine Deneuve التي خطفت الأنظار بجمالها الغامض في الستينيات، فصارت نجمة أولى في أفلام مخرجين كبار كبولانسكي ولويس بونيل ثم إيقونة للسينما الفرنسية بداية من التسعينيات بعد نيلها الأوسكار عن الفيلم الملحمي Indochine

والسنوات الأخيرة لم تزد دونوف غير تألقاً وسحراً في أدوار أعادت اكتشافها لتولد فنياً من جديد وتدخل مرحلة هي في رأي أغنى مراحلها، فدونوف لم تكن يوماً بذلك النضوج الأدائي، بتلك التلقائية أمام الكاميرا التي هي عليها الأن ومنذ سنوات قليلة، بتلك المقدرة على التعبير وذلك العمق في استيعاب الشخصيات والأساليب الإخراجية المتعددة، ثم أن تجاعيد الزمان  لم تمس جمالها بسوء إن لم تذده غموضاً وسحراً وهي على مشارف عقدها الثامن

ومن هؤلاء الفاتنات أيضا فاني أردنت Fanny Ardant معشوقة المخرج الفرنسي العظيم فرنسوا تروفو في ايامه الأخيرة وام ابنته الوحيدة، وبطلة عدداً من أفلامه الأخيرة التي قدمها فيها وجها جديداً ونموذجاً لجمال فرنسي غير معهود، فتح لها أبواب النجاح مع العديد من المخرجين الأخرين داخل فرنسا وخارجها، تخطت فاني أردنت اليوم الستين ومازال جمالها رأسمالها، لم تنضب منابعه، بل لم تنكشف كل أسرارة بعد.
في أحدث أفلامها les beaux jours أو الأيام الجميلة تلعب فاني أردنت دور أم وجدة يتهددها المصير التقليدي لحياة مابعد الستين، حياة فارغة بلا إثارة، بلا إحلام ولا طعم للتحدي، فتقرر أن تولد من جديد، أن تسخر من الزمان وتعبث بمداراته في نفس اللحظة التي يدعوها هو فيها لتسكن الهامش، تنعم بهدوء مشرف وتنتظر النهاية بضمير راض.


تلعب فاني أردنت "كارولين" إمرأة ترفض الحياة على الهامش ولكن يعوزها الثقة لتقبل التحدي، إلى أن يقابلها الحب أو تقابله، ليس الحب العادي الذي يجعل الحياة في مرحلتها العمرية ممكنة، حين يقرر اثنان أن ينتظرا النهاية سوياً بدلاً من أن تقتلهما الوحدة، أن يواسيا الساعات بحديث عن ذكريات ولت وأيام كانت بدلاً من أن تتردد أصدائهما في الفراغ، فهذا الحب تعيشه بالفعل مع زوجها ورفيق عمرها وهو حب لا يخرجها من محنتها ولا يهديها للمعنى الذي تبحث عنه، لا تبديل فيه ولا تغيير ولا غاية من وراءه إلا استلهام الماضي واحتمال الغد.

الحب الذي تقابلة بطلتنا حب أخر يتدفق نوراً وناراً وجنوناً مراهقاً ينعش ذكريات الصبا ويجدد خلق الوجود ويطليه بألوان البهجة، تقع بطلتنا في حب شاب يصغرها ربما ب٣٠ عاماً، وهي رغم تحفظها وادراكها أنها بتورطها في علاقة كهذه إنما تتلاعب بالمنطق وبالزمان إلا أن حلاوة الشباب التي مست قلبها وأرعشت جسدها لا تترك مكانا لعقل يحسب ويفكر.. إلى أين يذهب بها هذا الحب ؟ ماذا عن زوجها ؟ ما الذي ستقوله بناتها ؟ ورغم أنها لا تريد الإنخداع بمعسول كلام عاشقها الشاب Laurent Lafitte ولا بعسل عيناه الداكنتان اللاتي يشتعلان لهفة ورغبة فيها، إلا أن أنوثتها الموشكة على الذبول تستسلم للرغبة، تقبل المغامرة وتنصاع لهوى اللحظة الذي يحلو معه مذاق كل شىء، حتى الزيف. 
يستغرقهما الجنس المفرط، جسدها الذي لا يشبع يؤكد لها كل يوم أن جمالها لم ينطفىء وأن قلبها لم يعرف الشيخ بعد، وحين توشك بطلتنا على النصر، حين تصدق أن صباها قد عاد وأن أنوثتها تتفتح ورودا وقلبها ينبض شباباً،يفصح الزمان عن وجهه الحقيقي في مشهد الفيلم الأخير، عن قوانينه القاسية التي لا تتبدل.


 لا يخونها عشيقها ولا يخدعها، لحظة تكشف وجودي هي التي توقظ كارولين من سكرة نزوتها وهم في طريقهما لقضاء أجازة العمر، مجرد حديث عابر بينها وبين عجوز مسافرة، وحديث أخر تسمعه بين صديقها وبين حسناء في مثل عمره، يزول طعم العسل، تذوب نشوة الحلم الذي انقلب صدفة لواقع مضحك، لا باق غير أثار الزمان ومرارة الحقيقة.

شخصية كهذه تكاد تكون قد حيكت خصيصاً لتلعبها فاني أردنت، بل لا أستبعد أن مخرجة الفيلم Marion Vernoux  كانت تتخيل فاني أردنت أثناء كتابتها للشخصية، فهي اليوم من الممثلات القليلات القادرات على لعب أدوار الإثارة ومشاهد الجنس رغم تقدم العمر بهن، فابتسامتها بقت على روعتها وجسدها رغم تجاعيده احتفظ بعبقه المثير، كعطر يزداد سحرا كلما مر عليه الزمان. 

تشبه أردنت "كارلوين"  في الإيمان بالنزوات، في أن لكل لحظة قيمتها ومتعتها وأنه لذلك لا مراء علينا أن نعيش العمر لحظة بلحظة دون أن نوجع الرأس بثقل الماضي والخوف من المستقبل .. عن فيلمها الأخير تقول فاني أردنت " أنه أنشودة للحاضر، ما الذي يجعل الحاضر كله لحظة ؟ ليس الكلام الكبير بل الأشياء العادية وحدها، حمام ساخن ،كأس نبيذ فاخر أو الذهاب للفراش   .. الحب وحده هو ما يهم!"


الأربعاء، 30 أبريل، 2014

حتى نخرج للنهار .. هالة لطفي في دور العرض المصرية

حتى نخرج للنهار..

هالة لطفي في دور العرض المصرية


سنوات عديدة كان على السينما المصرية إنتظارها منذ إنفراجة ما يعرف بالسينما المستقلة في  أوائل القرن الحالي قبل أن يخرج فيلم في نضوج "الخروج للنهار" لهالة لطفي .. سنوات كانت إحباطاتها أكبر من إنجازتها وأكبر من كل الوعود بسينما جديدة، شابة، تخلص للفن وحدة، تترفع عن السوق ومتطلبات الإنتاج المؤسسي الربحي وتنفر من نمطية المواضيع والأشكال .. 
فمن بين محاولات أخلصت النية في تقديم الجديد وعازها فقر الموهبة أو هزالة الإنتاج، وأخرى ظن أصحابها أنهم أنبياء يحملون رسالة السينما الجديدة فلم تكشف أعمالهم غير سطحيتهم، و في ظل أوضاع معيشية وسياسية تزداد سوءاً وإضطراباً وتؤثر سلباً على كل أشكال الإنتاج الفني في مصر، تواضعت الأمال المنعقدة وتضائلت التوقعات والبشائر وبات الإنتظار عبثاً إلى أن آذنت هالة لطفي للنهار بالخروج بفيلم سيقف أمامه مؤرخي السينما المصرية في المستقبل طويلاً ..

 منذ الدقائق الأولى الفيلم ندرك أن لمخرجته لغة سينمائية شديدة الخصوصية، لغة رصانتها وبرود إيقاعها يجعلها غريبة على المشاهد العربي، بل ربما أوقعته في أزمة تلقي تؤول فيها كل توقعاته لمسار الدراما إلى لفشل، ويبقى الفيلم بلا حدث حقيقي، مخلصا لإيقاعه ولأسلوب مخرجته ..
 تمر الدقائق في رتابة حياة أبطال الفيلم الثلاثة، أب عاجز وأم قهرها القدر فاستلسمت له في قوة ورضا، وابنة ضائعة تعيش أحلامهاً في استيحاء، رغم قسوة الواقع وظلام المستقبل.. أبطال هالة لطفي إناساً في الظل، يعيشون خلف كواليس الثورات والإنقلابات ومسارح التوك الشو الهزلية، أناساً وجودهم على الهامش، تتكشف معاناته في دقة التفاصيل وبساطة الدراما، بعيداً عن النمطيات الصاخبة والشعارات الرنانة ..


ربما تسائل الجمهور الغربي الذي شاهد الفيلم وكان يعرف مصر بأهراماتها وبحرها الأحمر ثم بات يعرفها من صور التظاهرات وقتلى الميادين وقصص التحرش الجنسي، أين "الثورة" ؟، كيف يكون هناك فيلم مصري لا يكون موضوعه الثورة، القتلى، الإسلاميين، الكبت الفكري والجنسي، كيف لا تكون فيه "مصر" التي يعرفها من نشرات الاخبار وعنواين الصحف ؟ .. 
أعرف أن هالة لطفي لم تتعمد أن يخرج فيلمها ويسافر مهرجانات عديدة  في توقيت تهاتف فيه من يهتم بالسينما ومن لا يهتم بها علي كل ما هو مصري، ليس لأن لمصريته قيمة في ذاتها ولكن لأنه لكونه مصريا الأن فسيحتوي ولابد على مادة مثيرة لها سوق إعلامي مفتوح في الغرب، فيلم هالة لطفي يأتي ضد التيار، ضد إرادة الأسواق وحماس المهرجانات الزائف، يأتي ليثبت وجوده بالفن وحدة بلا إتجار بثورة أو خلافه، حتي الألم الذي تقطر به مشاهده يتعالى صدقه على مشاعر الرثاء ..


بعد طول انتظار يخرج نهار هالة لطفي في مصر، تفتح له دور العرض أبوابها ليثبت وجوده في بلده أيضاً وبالفن وحده، ،لا كفيلماً للمهرجانات أو هواة المراكز الثقافية، بل فيلما للجميع، لكل محب للسينما الجادة التي لا تعرف مصطلحات ك "المستقلة" أو "النظيفة" ولا تتكلم غير لغة الفن الجميل. فأرجو أن يكون الإقبال عليه بقدر رقة لغته وصدق مخرجته الموهوبة، أرجو أن يكون بشرى خير على الفن المصري، يخرج به ونخرج معه إلى النهار..

السبت، 9 يونيو، 2012

فهرنهايت 451 لفرنسوا تروفو .. في رثاء راي برادبري



ف هرنهايت ٤٥١ Fahrenheit 451
١٩٦٦
إخراج : فرنسوا تروفو François Truffaut 

بـطولة : Oskar Werner
            Julie Christie
****

منذ ايام قليله رحل عن عالمنا الكاتب الامريكي راي برادبري  Ray Bradbury. برادبري هو بلاشك علامه من علامات الأدب الامريكي في  النصف الثاني من القرن العشرين، وتعود شهرته في الأساس إلى رواية الخيال العلمي"فهرنهايت٤٥١" والتي صدرت في عام ١٩٥٣ أيام المطاردات المكارثيه للأدباء والفنانين في أمريكا. ومنذ صدورها أحدثت الروايه دوياً هائلاً بين جمهور ونقاد الأدب،فقد أعيد طبعها عشرات المرات وترجمت إلى معظم لغات العالم (صدرت الترجمه العربيه عند دار الشروق المصريه عام ٢٠٠٧ وكتب برادبري مقدمة جديدة لروايته خاصة بهذه الطبعه)  لتصير إحدي كلاسيكيات الأدب العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين و إحدى أكثر  روايات الخيال العلمي رواجاً. وكغيرها من الروايات الناجحة قررت هوليود تحويلها إلى فيلماً سينيمائياً، أمالجديد في ذلك فكان إسناد مهمة إنجاز السيناريو للمخرج الفرنسي الشاب آن ذاك "فرنسوا تروفو"  ١٩٣٢-١٩٨٤ لتكون أول تجاربه الفنيه خارج فرنسا ، وفي أمريكا ، البلد التي لا يجيد لغتها الانجليزيه فحسب، بل تمثل أفلامها ومدارسها السينمائيه الإتجاه المعاكس لقيم الموجه الفرنسيه الجديدة nouvelle vague التي ينتمي إليها تروفو، والتي قامت في الأساس كثورة على أساليب سينما تقليدية محافظه ونقض قوالبها المعهودة ، أمريكية الصنع في العادة.

كان عرضاً كهذا هو في الحقيقة نصر لتروفو وللسينما الفرنسيه البديلة التي بدأ صدى ثورتها يأخذ طريقه للولايات المتحدة في منتصف الستينات ثم صار أعلامها ، شابرول وجودار وتروفوا وغيرهم ملهمي جيل السبعينيات من مجددي هوليود أمثال سكورسيزي وسدني لومت.

كان اسم تروفو قد صار معروفاً في الأوساط الأمريكية ، ففيلمه الطويل الأول blows 400 قد نال استحساناً كبيراً حين عرض هناك، كما رشح لجائزة الأوسكار.وقد سبق تروفو زميله جودار الذي دعي هو الأخر  إلى أمريكا عام ١٩٧٠ لإنجاز فيلما لم يتم ، بينما أنجز تروفو فيلمه الذي نال كذلك حظا لا بأس به من النجاح في أمريكا وفرنسا. صحيح أن تروفو لم يكرر التجربه ولكنه على الأقل قد عاد مرة أخرى إلى هوليوود كممثلا في فيلم ستيفن سبيلبرج close encounters of the third kind عام ١٩٧٧. فرغم الجديد الذي جاء به تروفو، إلا أن سينماه بقت في إطارها العام مخلصة للقصة ولم تخض تجارب راديكلية في السرد أو في جماليات الصورة كما هو الحال مع سينما جودار الذي فشل في التأقلم مع الاسلوب الأمريكي.

****

تدور احداث فهرنهايت ٤٥١ في المستقبل ، في بلد مجهول تحكمه قوة فاشيه غاشمه ، مواطنوه بلا شخصيه ولا إنسانيه، مسامير في جهاز الدولة الجبار ، يحتكمون بأمره و يسيرون بلا وعي في فلكه، أفكارهم هي مايمليه عليهم جهازه الإعلامي ، تلفزيونات بعرض حوائط المنازل تعرض مسلسلات تفاعيله  لا تزيد مشاهديها إلا بلاهة، هذا غير جريدة رسميه ليس بها حرف واحد ، فقط صور ملونة لا تأخذ فكر  متصفحها أبعد من الحدود المرسومة ، فالفكر في هذا الزمان هو عدو البشرية الأول وأكبر ما يهدد الاستقرار ، لذلك خصصت الدولة جهاز إطفاء لنور الفكر ،مهمته حرق ماتبقى من الكتب. يبدأ الفيلم بمشهد سيارة إطفاء عجيبة تضم رجالاً حازميين بملابس سوداء وأنابيب إشعال حرائق وقد قاموا بمهاجمة بيتاً خبئت فيه عدد من الكتب الممنوعةـ كل الكتب ممنوعة. جاي مونتاج هو إحدى مشعلوا الحرائق العاملين في هذا الجهاز العجيب، وهو رغم إيمانه بعمله ورسالته لا يستطيع أن يشعر بالسعادة ، صدفة يقابل كلاريس ، فتاة لا تتوقف عن إلقاء أسئلة غير معتادة عن جدوى حرق الكتب، عن ما قد تخبأه في جعبتها الكتب، وعن السعادة المفقودة. تدفع أسئلتها الغريبة  مونتاج للتفكير فيتجرأ ويحتفظ سراً ببعض الكتب التي عليه أن يحرقها، ثم يبدأ في قراءتها وتتبدى له فاشية فعل حرق الكتب فيقرر إنقاذ قومه من ضلالهم ومعاقبه الجناة من مشعلي الحرائق أبناء مهنته بأن يخبىء الكتب في بيوتهم ثم يبلغ عنهم فتحترق النيران في بيوت مشعليها، إلا أن زوجته تبلغ عنه قبل أن يشرع في خطته، و إذ بزملاءه من مشعلي الحرائق قد هاجموا بيته ويأمره قائده بأن يخرج الكتب من مخابئها ويحرقها، فيحرق مونتاج أول ما يحرق حوائط المسلاسات التلفزيونيه ثم يحرق قائده ورجاله ويفر هارباً، فتقوده قدماه إلى ضاحيه بأطراف المدينة الظالمة سكانها يهبون حياتهم للكتب، فيحفظ كل منهم كتابا عن ظهر قلب، يحمله في قلبه وفوق لسانه ويعلمه لغيره، فيكون أحدهم إلياذه هوميروس وأخر كوميديا دانتي وثالث هاملت شيكسبير وهكذا، وينتهي الفيلم بمشهد يعده المخرج الألماني فيم فندرس من أفضل المشاهد في تاريخ السينما حيث يتلوا كل واحد منهم شيئا مما حفظه فتتداخل الكلمات واللغات، وتحيا الكتب فيهم ومعهم.

****

حاول تروفو أن يصنع فيلماً واقعيًا و أن يبتعد عن التفاصيل المستقبليه futuristic التي تحتشد بها الرواية ، فكانت ديكورات الفيلم في غايه البساطة ، تحمل بلاشك ملامح مستقبلية ولكنها تبقى محدودة، مسرحية ، بلا إبهار حقيقي وهو ماتعمده تروفو ، وما في سبيله قد استغتى عن تفاصيل وردت في الرواية كالكلب الألي المرافق لرجال الإطفاء، هذه التفاصيل نفسها هي التي قد تجعل من الرواية اليوم إذا مافكر أحدهم في إخراجها مرة أخرى للسينما مادة غنية للخيال الهوليودي ولفناني  ال3D وفنون الجرافيكس المختلفه، ولكن تروفو أراد لفيلمه شيئاً أخر، أراد أن يسرده سرداً واقعياً غير متكلف، أن تبقى الكتب ومأساتها المحور الرئيسي التي تدور حوله الأحداث، وتبقى التفاصيل الأخرى جانبية عادية، فرأينا مشهد احتراق الكتب يتكرر أكثر من مرة، ويطول أحياناً إلى حد مبالغ فيه، لقطات طويلة متكررة للكتب وعنوانيها  البارزة وهي تحترق( كما كانت الكتب وعنواينها مكونات أساسية في العديد من المشاهد بأفلام جان لوك جودار)، ومن بينها كتب فرنسية يفضلها تروفو نفسه بل أعداداً من كراسة السينما cahiers du cinema التى تعد بمثابة انجيل الموجة الفرنسية الجديدة. وقد قال تروفو نفسه عن الفيلم أنه كان تعبيراً عن حبه الشخصي للكتب، و أنه قد قدم الكتب كشخصيات في الفيلم.
رغم أن الفيلم هو المفضل لدى تروفو نفسه من بين جميع أفلامه، فأنه يبقى للأسف أقل مستوى من معظم أفلام تروفو الأخرى. فبالفيلم نبرة أخلاقية عالية وحملاً فكرياً لا طاقة للصورة به، كما أن الصورة التي خرجت عليها سيارة الإطفاء مثلاً أو شاشات الحوائط التلفزيونية كانت للأسف محبطة، بل أقرب إلى الهزليه وهي أسباب وجيه لتحفظ برادبري إزاء الفيلم.أن تروفو  لم يكن يوماً أستاذاً في التقنية والتقطيع الجيد، أستاذيته تكمن في بساطته، في قدرته على سرد قصص عن أشياء صغيرة، في صنع أبطالاً عاديين يحبون، يفرحون، يحزنون ويموتون،وجودهم الصرف هو شاغلهم ولا طاقة لهم بهموم العالم الفلسفية والسياسية. رواية كفهرانهايت ٤٥١ كانت بحاجة إلى أستاذ من نوع أخر!