الجمعة، 6 يناير 2012

حوار مع " فيم فندرس" حول "بينا".





الفيلم : بينا Pina
إنتاج : 2011
إخراج : فيم فندرس Wim Wenders
جائزة أفضل فيلم تسجيلي في مهرجان الفيلم الأوروبي 2011



هو بلا شك واحد من أهم الأفلام التي قدمتها السينما في عام  ٢٠١١ . " بينا" Pina رثاء المخرج الألماني الكبير "فيم فندرس" لسيدة الرقص المسرحي الحديث الأولى في كل العالم "بينا باوش" التي رحلت في عام ٢٠٠٩ ، أثناء جلسات التحضير للفيلم الذي كان يعده معها منذ سنوات عديدة و شاء القدر أن ترحل قبل أن تدور كاميرته. في هذا الحوار مع إذاعة بافاريا الألمانيه يتحدث "فيندرس" عن فيلمه، عن علاقته ببينا و دوافعه من وراء هذا الفيلم. 

- كيف تتذكر المرة الأولى التي رأيت فيها مصممة رقصات القرن "بينا باوش" ؟

 إلتقيتها شخصيا لأول مرة في فينيسا. و بصراحة  قبل ذلك لم أكن قد سمعت عنها كثيراً . فبين عامي ١٩٧٧ و ١٩٨٤ كنت أعيش في أمريكا و كانت هذا سنوات صعود نجمها في أوربا. و لكن صديقتي في ذلك الوقت كانت تعرفها جيداً ، بل و كانت من أشد المعجبات بها و شاهدت عروضها أكتر من مرة في فرنسا حتي أقنعتني أنا الأخر بأن أفعل. و هكذا شاهدت عروضها لأول مرة عام ١٩٨٥. شاهدت "طقوس الربيع" و " كافيه مولر" و تأثرت بشدة.

- و متى جأتك فكرة تقديم فيلم عنها أو معها ؟

بعد أول لقاء شخصي لي بها مباشرة. جاء هذا اللقاء بعد أن كنت قد رأيت عدد من عروضها حيث كانت تكرم في فينسيا. منذ اللقاء الأول تفاهمنا جيدا و سألتاها مباشرة عن رأيها في أن يحمعنا عمل ما سويا في المستقبل، و لكنها لم تجب، واصلت سحب الدخان من سيجارتها و تركتني بلا كلمة تعليق واحدة.  و بعدها بسنوات عديدة زعربت لي اللقاء أنها بالفعل مهتمة بأن تعمل معي هي و فرقتها "مسرج فوبرتال الراقص".

- و هل كنت تخطط لفيلم روائي أم تسجيلي ؟

فكرة الفيلم الروائي لم تروادني مطلقا. الذي بهرني في "بينا باوش" و فرقتها المسرحية كان منذ البداية فنها، فنها هو بالتحديد ما أردت أن أرصده و أنقل سحره على الشاشة، أنقل حضور الجسد و سطوته التي تخطف المشاهد و تشركه في عالمه، شراكه تختلف عن تلك التي نشعر بها في حفل "روك " صاخب، في المسرح، في الأوبرا أو حتي في السينما. بعد سنوات من معرفتي ب"بينا" و مشاهدتي لها بدأت أفهم سر سحر عالمها. أنها مقدرتها الفذة في تأمل الجسد، في الفهم الدقيق للغته و أعماقه.  ببساطه لقد كان بمقدورها قراءة البشر. 


ـ و لماذا تأخر هذا المشروع كل هذا الوقت ؟

"بينا" نفسها سألتني عدة مرات لماذا لا نشرع أخيرا في بدأ العمل سوياً، فاعترفت لها أنني لم استطع بعد  الإستقرار على صيغة ملائمة للتعبير سينمائيا عن فنها، فرغم طول انشغالي بالمشروع عجزت أن أجد الشكل المناسب  الذي يعبر عن ما أشعره و ينقل للمشاهد هذا الأحساس بالجسد. ثم كان الحل تقنيه ال3D 
و رغم أن المؤثرات البصرية المجسمة مازالت بدائية، فقد عرفت علي الأقل أخيرآً كيف يمكنني إستيعاب عبقرية مسرح بينا الراقص و التعبير عنه بصرياً بشكل يرضيني. التقنية الثلاثية ساعدتني أن أقتحم المكان من داخله و أعيد اكتشاف طاقاته. و رغم  عدم رضائي عن الجودة التقنية و لكنني متأكد أنها  ستتحسن مع الوقت.

- هل تحرص في عملك السينمائي على متابعة التقدم التقني و استخدام ما يتيحة من أدوات جديدة ؟ فقد صورت "بينا" و هو فيلم ينتمي بامتياز لسينما " المؤلف" Autorenfilm بأسلوب ال 3D الذي صور به Avatar لجيمس كاميرون . و قبلها صورت فيلمك Buena Vista Social Club  بكاميرا ديجيتال. بل لقد بدأت مبكرآ جدا يأخذ صوراً فوتوغرافية باستخدام كاميرا 3D كذلك.

حينما استخدم تقنية ما فالسبب يكون أنها تساعدني على تحقيق رؤيتي و ليس  لقيمتها في ذاتها. في التسعينيات كاد الفيلم التسجيلي أن يموت نتيجة إرتفاع تكاليف تصويره بالفيلم السينمائي العادي. ثم جائت الكاميرات الديجيتال لتنقذ الموقف بسعرها الرخيص نسبياً و سهولة تنقلها و قد شاهدنا كيف تطور الفيلم التسجيلي بعد استخدام تقنيات الديجيتال بشكل كبير في السنوات الأخيرة. و لكن في النهاية علي القول أنني لا أستسيغ تقنية ال 3D بصرياً، ربما تتيح هذة التقنية مستقبلاً إمكانيات جديدة و بالتأكيد سوف تتطور جودتها.

- كيف كان وقع موت " بينا باوش" المفاجىء في صيف ٢٠٠٩ عليك و كيف كان أثره على مشروع الفيلم ؟ 

سمعت بخبر وفاة بينا و أنا في مكتبي في برلين حيث كنا نجهز لنقل المعدات إلي "فوبرتال" لبدأ العمل . فقد رحلت قبل يومين من بدأ التصوير. قررت بعدها وقف العمل في المشروع و أخبرت شركة الإنتاج و المساهمين بأن الفيلم لم يعد بالإمكان تنفيذه. فقد كان اتفاقي مع بينا أن نقوم سوياً باخراج الفيلم و أن تكون معي ليس فقط أمام الكاميرا بل أيضاً خلفها. و بوفاتها لم أري معنى لمواصلة المشروع، إلي أن دعيت إلى مسرح فوبرتال لحضور ندوة تأبينها في سبتمبر ٢٠٠٩ و قابلت راقصي فرقتها الذين عملوا معي ،وأقنعوني بمواصلة العمل مذكرين أياي بأني و "بينا" قد تعاهدنا أثناء العمل أن نخلد بعملنا العروض لتبقى حية في العالم الأخر!  


الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

"الجلد الذي أعيش فيه" لألمادوفار.. بيجماليون الأندلسي!






الفيلم : الجلد الذي أعيش فية la piel que Habito
إخراج : بيدرو ألمادوفار Pedro Almodovar
إنتاج : 2011
بطولة : أنطونيو بانديراس Antonio Banderas
إلينا آنايا Elena Anaya
ماريسا بارديث Marisa Parede

جان كورنه Jan Cornet
موسيقي: ألبرتو إيجلاسياس Albert Iglesias
مهرجان كان السينمائي الدولي 2011 المسابقة الرسمية


تروي لنا الأساطير الإغريقية قصة نحات إغريقي بارع ،" بيجماليون" الذي صنع تمثالاً لإمرأة فائقة الجمال. فلما انتهى سر لها نظره مختلباً و هام قلبه بها حباً. فجاء "فينوس" راجياً على هيكل معبدها يدعوها أن تنفخ الروح في صنيعه، ففعلت، و دبت الحياة في تمثاله ليصير إمرأة فاتنه، عشقها و تزوجها
و في أحدث أفلام المخرج الأسباني " بدرو ألمادوقار " " الجلد الذي أعيش فيه " يصنع طبيب التجميل "روبرتو (أنطونيو بنداريس) قطعته الفنية الخاصة كذلك. "فيرا" ( إلينا آنايا)، و لكنه لا يصنعها من العاج كما في الأسطوره ، "ففيرا" الفاتنة متفجرة الأنوثه هي في الأصل شاب يدعي "فينسنت" (جان كورنه) اختطفه الطبيبب إنتقاماً منه لظنه أنه إغتصب إبنته المريضة ثم حوله رغمآً عنه إلى أنثى، على صورة زوجته التي ماتت متأثرة بجراحها بعد أن احترقت السيارة التي كانت قد قلتها هي و عشيقها!
مرة أخرى يأخذنا ألمادوفار إلي مناطقه الشائكة، شبكة معقدة لعلاقات إنسانية تتفكك في تفاعلها الهويات الثابتة و يتجرد في خضمها الإنسان من إرث العقلانية و بديهايات الأخلاق و الجنس، ليعاد تعريفة علي أسس غير معتاده ، يكمن منطقها في تنافيبها مع ما اعتدناه على أنه المنطق و ما اعتبرناه خلقي. يتجاوز " ألمادوفار" في فيلمه الأخير موضوعات العلاقات المثلية و المتحولين جنسياً، أو يسير بها إلى بعد جديد أكثر عمقا متسألاً عن جوهر الإنسان ذاته، عن ما يبقى منه إذا ما تبدلت هويته .
"روبرت" فنان عبقري كبيجماليون، ساحر لا يعرف طموحه حداً كفاوست ، و في الوقت نفسه إنسان معذب تطاردة ذكرى زوجته المحترقة ، تطاردة خيانته له مع أخوه الغير الشرعي، يطارده فشله في علاجها لما احترقت و ألآم إبنته التي ماتت إمها ممسوخة أمام عينيها ،فسقط عقلها فريسة للمرض. قرر "روبرت" أن يطلق لعبقريته العنان، أن يعيد خلق الزمان ليدور بأبطاله من جديد في فلكه الخاص و فوق مسرحه هو ، و هذه المرة من دون إخفاقات. فيعيد زوجته للحياة في صورة "فيرا" ، بل و يقتل عشيق زوجته على الفراش أثناء إغتصابه لفيرا ، فكأن القدر ينساق مجبراً و نادماً لرغبتة و عبقريته. و لكن نهاية
روبرت" ليست سعيدة كنهاية "بيجماليون " ، بل يتشابه مصيره
في النهاية و مصير "فراكنشتين" الطموح الذي حلم بأن يخلق إنساناً ،فخلق مسخآ قتل أخاه ثم تسبب في مقتله هو. "ففيرا/ فينست" تقتله إنتقاماً منه، رافضة الإنصياع لهويتها الأنثوية
الزائفة حتى لو كانت ستجعل منها أجمل نساء الأرض. ففيرا في نظر "فينست" ما هي إلا مسخاً له يبغضه في أعماقه حتي بعد أن قرر التعايش معه.
قصة قاسية، و تيمة ربما تصلح أساس لفيلم رعب، عبقرية السرد الألمادوفاري تجعل منها دراما لها عبق التراجيديا الإغريقية تضفي عليها موسيقي " ألبرتو إيجلاسياس" الرائعة هيبة إسطورية، أنزلها إستغراقها في التفاصيل من الأولب و أنسنتها نعومة الكاميرا التي بدت " أنثوية" في حركتها، و كادرات ثرية في تكويناتها و ألوانها، و ملابس صممها ملك الموضة الفرنسي " جون باول جوتيه" ، وامتصت الأجواء الأندلسية الحميمة التي إعتدنا عليها في كل أفلام ألمادوفار عنف الفكره. فالبرغم من عالمية ألمادوفار كواحد من أهم مخرجي السينما الأوروبية اليوم ، برغم عالمية موضوعاته، يبقي فيلمه أسبانيا في كل تفصيلات جمالياته.

الجمعة، 6 أغسطس 2010

"المغامرة "L'Avventura لأنتونيوني و محنة الضمير الأوروبي.



المغامرة L'Avventura
إنتاج : إيطاليا/فرنسا ١٩٦٠
إخراج : مايكل أنجلو أنتونيوني Michelangelo Antonioni
بطولة : مونيكا فيتي Monica Vitti - جبرايل فريتستي Gabriele Ferzetti - ليا مساري Lea Massari
جوائز : لجنة التحكيم الخاصة مهرجان كان ١٩٦٠







في أرقى أحياء روما، تودع "آنا"Anna أبيها أمام فيلتهم الفخمة قبل أن تسافر في رحلة بحرية بين الصخور شمال إيطاليا. وداع جاف، يشي بسوء العلاقة بين الطرفين و عدم تقبل الأب( الديبلوماسي الثري ) لتصرفات ابنته.
و فجأة تظهر "كلاوديا " Claudia صديقة " آنا" التي سوف ترافقها في رحلتها. و لكنهما يتوجهان أولا إلي Sandro صديق "آنا" الذي ينوي الزواج منها رغم أننا نلمح أيضا أن علاقتهما لا تخلو من التوترات من دون أن نعرف أسباب واضحة لذلك. تصعد " آنا " إلي بيت صديقها تترك صديقتها في الشارع ، تندفع في عناقه و تقبيله بينما تراقب "كلاوديها " صدفة ما يدور بينهما من شباك غرفته المفتوح.
ينطلق ثلاثتهم بصحبة أصدقاء اخرين جميعهم من الأثرياء في رحلة بحرية فوق أحد اليخوت، حيث نتعرف على مختلف الشخصيات بالفيلم. يتوقفون للإستراحة فوق أحد الجزر الصخرية و هناك يثار خلاف ما بين "ساندرو " و "آنا' على أثره تبلغه "آنا" أنها تريد البقاء وحدها، يغفو "ساندرو" قليلا و في المشهد التالي يصحو على المفاجأة التي أقلقلت الجميع .. لقد اختفت "آنا" و لا أحد يعرف أين و لا كيف، و يكون الفيلم هو رحلة البحث عنها حيث يقرر "ساندرو " و "كلاوديا" أن يتولا المهمة لنفاجىء بقصة الحب الغريبة النامية بينهم.

" المغامرة " هو أول أفلام الرباعية التي أخرجها "انتونيوني" و قامت ببطولتها عشيقته في ذلك الوقت الممثلة "مونيكا فيتي " Monica Vitti حيث تلاه بعد ذلك " الليل " la notte عام ١٩٦١ ثم "الخسوف " l'eclisse ١٩٦٢ ثم "الصحراء الحمراء " il deserto rotto عام ١٩٦٤.
و تمثل هذه الرباعية أهم مرحلة في حياة " أنتونيوني " الفنية. و هي التي صنعت مجده كمخرج صاحب بصمة و أسلوب مميز و رائد من رواد الواقعية الإيطاليه- و قد كان خير من مثلها في أنضج و أخر مراحلها - التي غيرت شكل السينما في العالم كله و فتحت عصرا جديدا ودع رومانتيكية الأربعينيات و الخمسينيات بقصصها الساذجة و عبراتها الأخلاقية.

و لا تتشابه أفلام الرباعية في عناصرها الفنية من طريقة حكي ثورية، غير تقليدية و مشاهد بانورمية تلعب فيها اللقطات الطويلة دورا محوريا.. من موسيقي " جيوفاني فوسكو " ( باستثناء فيلم "الليل ") التي افتتحت عصر "التويست " في إيطاليا و مونتاج "إيرالدو دي روما " Erado de Roma و أداء "مونيكا فيتي " الهادئ و المثير بلا تصنع أو دلال .. لا تتشابه الرباعية في كل ذلك فحسب بل يمتد التشابه إلي ما عالجته من موضوعات.
في رباعية " انتونيوني " نحن بصدد اسقاط علي حال المجتمع الأوروبي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و الشعور العام باليآس و القلق و انهيار القيم التي انتظم عليها المجتمع منذ عصر التنوير. أزمة الضمير التي عبرت عن نفسها في الأدب و الفلسفة و الفنون التشكيلية لذلك العصر و جاء دور السينما لتقول هي الأخري كلمتها.

الاغتراب، ضياع الأحلام الكبيره و اللامعنى ، تفكك العلاقات الإنسانية و الطعن في مصداقيتها.. "ثيمات" جوهرية تكون الأفلام الأربعة تنويعات لها. تلعب "مونيكا فيتي " شخصيات فتيات أربع، كل منهن تعيش في وسط منحل رغم تماسكه الظاهر، كل منهن يتصارعن و عالم من صنع الرجال محاولات فرض ذواتهن و إثبات وجودهن، و إن انهزمن فالهزائم موقتة و الأمل يبيقهن علي طريقهن صامدات غير مباليات بأعراف مجتمع قد تفسخت قيمه و انهارت أخلاقه. فالذي دفع "كلاوديا" الي التمادي في علاقتها مع عشيق صديقتها و مغالبة بقايا ضميرها هو لا مبالة وسطها بل و انحلاله.

الفيلم بعد فترة قصيرة من اختفاء " آنا " يتجاهلها تماما و تصبح رحلة البحث عنها شهر العسل لخائنيها العاشقين. و هو ما أثار تزمر جمهور مهرجان "كان " في العرض الأول. ثم أن أصدقاء "آنا" الذين كانوا معها فوق اليخت لم تعد تشغلهم قضية اختفائها بتاتا و عاد كل منهم إلي حياته كأنها لم تكن.

ربما كانت " آنا " كناية عن الضمير الغائب لهذا الوسط المنحل، فقد كانت الشخص الوحيد الرافض للحلول الوسط، لمسايرة الأوضاع و مرواغة المباديء وإنتهاز الفرص، بعكس أصدقاؤها اناس بلا مبادئ أو مواقف.
و الفيلم باستثناء حادث "إنا " ليس في أحداثه غموضا و أبطاله على طبيعتهم، عرايا النفوس لا يخبئون أسرارا، يخونون علي الملئ و لا يتحرجون. فصديقة "كلاوديا" تطلب منها أن تصحبها في أثناء زيارتها لأستوديو فني لمراهق في السابعه عشر بحجة أنها تخشى أن ينفرد بها و حين يقترب منها تتمادى في تقبيله ضاححة،ماجنة على مسمع و مرأي من "كلاوديا" التي تفاجئ بأن صديقتها تفتح لها الباب داعية إياها للخروج..

ثم أن علاقة "ساندرو" و "كلاوديا" تصير واضحة للعيان و مع ذلك يبقى أصدقائهم على لا مبالتهم و لا يدفع ذلك أحدا إلى النقد أو الاستنكار. "ساندرو" نفسه يعترف في أحد المشاهد بأنه سطحي، مستغل، بلا مبادئ ، يسير مع التيار أينما حل، ثم أن دموعه في نهاية الفيلم التي أرزفها ندما بعد أن تكشف "كلاوديا" خيانته له هي على الأرجح ليست الأولى و ربما لن تكون الأخيرة. صحيح أن الفيلم ينتهي و لكنه يترك فينا الشعور بأنه لن يتغير و أن خياناته ستستمر سواء "لكلاوديا" أو لغيرها. شخصيات الفيلم كلها باردة الشعور، تتعاطف و لكنها تمل من عواطفها سريعا و تعود إلى حيادها ولا مبالتها.

ابتدع " أنتونيوني " لغة سينمائية جديدة تأثرت بها بعد ذلك مختلف تيارات سينما المؤلف Auteurs في العالم ليس فقط على مستوي طريقة الحكي و لكن أيضا في جماليات تصميم الكادر و حركة الممثلين داخله Mise en scène حيث اللقطات الخارجية الطويلة داخل مساحات شاسعة تلعب فيها العمارة دورا رئيسيا في تشكيل خلفية المشهد. بالإضافة لاستخدام عناصر أخرى كالأشجار و الصخور، أو السماء الملبدة بالغيوم مثلا التي استغلها "انتونيوني " للإيحاء بالحالة النفسية لأبطاله. و لوحات الفيلم درس في كيفية تشكيل الكادرات و إثرائها بطاقات تعبيرية لا محدودة و هي تبرز مدى تأثر "أنتونيوني" بالفن التشكيلي و خاصا صديقه الفنان الإيطالي "جورجو دي كيريكو " Giorgio de Chirico و هو ما يشير إليه الكثير من النقاد باستمرار حين يكتبون عن أفلام "أنتونيني" في سنوات الستينيات و السبعينيات .



الخميس، 29 يوليو 2010

" ليلة الإفتتاح " أو Opening Night لجون كسافيتاس : حتي النجوم تشيخ !



Opening Night
إنتاج : ١٩٧٧- الولايات المتحدة الأمريكية
إخراج : جون كسافيتس
بطولة : جينا رونالدز - بن جازارا Ben Gazzara - جون كسافيتاس - جوين بلونديل Joan Blondell
الجوائز : الدب الفضي في مهرجان برلين ١٩٧٧ أحسن ممثلة
مدة الفيلم : ١٤٤ دقيقة







في عام ١٩٧٤ قدم " جون كسافيتس " John Cassavetas فيلمه الشهير " إمرآة تحت ضغط " A woman under Influence من بطولة زوجته في ذلك الوقت النجمة " جينا رونالدز " Gena Rownlads التي لعبت فيه أفضل أدوراها، عن المعاناة النفسية لإمرآة و أم في منتصف العمر تتصاعد أزمتها لتلقي بها إلي حافة الجنون. و هو من أفضل الأفلام في تاريخ السينما رغم أنه لم يلقى من النقاد العناية التي يستحقها. و بعد نجاح التجربة كان موعدنا مع الفيلم التالي الذي كتبه "كسافيتاس " كذلك و منح دور البطولة لنجمته المتألقة "رونالدز " و تكون قصة "Opening Night " أيضا عن إمرآة معذبة، و لكن عذابها هذه المرة ليس جنونا،إنما أزمة منتصف العمر أو ما يسمى بسن اليآس و هواجسه التي لا ترحم أي أمرآة تبلغه. فما بالنا بنجمة ، عاشت في الأضواء و بالأضواء و اعتادت تصفيق الجمهور و وولهه بها .. ما بالنا بمخاوف انحسار الشهرة و انسحاب بساط النجاح ؟!

بطلتنا هي " ميرتل جوردون " نجمة مسرحية مرموقة، شقراء لا تفارق السيجارة و الكأس و لا نظارتها ذات العيون الكبيرة السوداء، حالة تشبه نجمات الأبيض و الأسود أو نجمات الأوبرا أو المسرح الأسطوريات. و يبدو لنا من اللحظات الأولى أنها تتمتع بقمة النجاح والشهرة. فجمهورها ألوفا مؤلفة تهتف إعجابا بها و تتدافع لنيل توقيع منها.
و بعد نهاية إحدي عروضها تغادر المسرح لتتناول العشاء مع فريق العمل فتندفع تجاه سيارتها إحدي المعجبات المتيمات بها، فتاة صغيرة لا نرى ملامحها بوضوح و لكننا نعرف أنها في السابعة عشر من عمرها .. " أحبك .. أحبك .. أنا متيمة بك " تهتف بها في حالة شبه هيسترية قبل أن تدهمها سيارة مسرعة و ترديها قتيلة ( بداية شبيها ببداية فيلم " كل شيء عن أمي " Todo sobre mi madra لألمادوفار ).
و تكون هذه الحادثة هي القشة التي قسمت ظهر البعير. فعلى أثرها تبدأ أزمة "ميرتل " مع نفسها و مهنتها كممثلة و مع دورها في المسرحية التي تلعبها مؤخرا، دور إمرآة في نهاية عقدها الرابع( كانت"جينا رونالدز" وقتها في ال٤٧ من عمرها ) يرعبها الزمن الزاحف عليها مسرعا و يؤلمها فشلها في الحب و مصير إمرآة وحيدة علي موعد مع الذبول بلا عشيق و لا أسرة. لا تستطيع "ميرتل " أن تجد سبيلا لتمثل دورها علي وجه مرضي ، تطاردها الهواجس و يختلط الوهم بالحقيقة ، تعذبها شخصيتها الجديدة فلا تستطيع التفريق بين دورها فوق المسرح و دورها في الحياة ، لا تستطيع أن تتعرف على نفسها، و هو أمر ليس باليسير على من قضي عمره يلعب أدورا ليست له.

في إحدي البروفات يكون من المفروض أن تتلقى " ميرتل " صفعة، فتسقط علي أثرها أرضا و تصرخ في ألم و يصفق المنتج في البداية بعد أن أوحى له الأمر في بدايته أن "ميرتل" قد اندمجت في دورها و أدت اللحظة الدرامية في إجادة تامة. و لكن يتضح بعد ذلك أن ميرتل فقدت في هذه اللحظة السيطرة علي نفسها و أن الصفعة - التي لم تكن جادة و لا مؤلمة - قد هوت بها فانهارت فوق الأرض و انهار معها الحاجز الفاصل بين شخصيتها و بين "فرجينيا" التي تلعبها.
و في حوار تلا ذلك الحادث تحاول المؤلفة أن تشرح الشخصية لميرتل لتساعدها علي أدائها ..
- " آنها مثلي و مثلك .. أمرآة تريد أن تحب و لكن الوقت قد تأخر .. لابد و إنك تعرفين هذا الشعور جيدا ... ميرتل .. قولي لي كم عمرك ؟! ".

لا تستلم "مرتل " لتساؤل المخرجة الخبيث و ملا حظتها الذكية .. و لا تجيب .. لا تجيب هذا السؤال رغم تكراره طوال الفيلم ، رافضه الإعتراف بالزمن و الإستسلام و رافضه الإندماج في شخصية تضعها في مواجهة مع نفسها و أداء نصا يكشف لها قسوة الحقيقة، و قبل أن يسلب منها الدور قناعتها تعاتب المؤلفة في مقاومة من يعرف أنه قد سقط و تسألها " ... "و ماذا عن الأمل ؟! ".

يتصاعد الصراع داخل "ميرتل " و يزداد ألمها و يتجسد لها شبابها الفائت في صورة الفتاة المقتولة، فتطاردها كابوسا يعذبها في يقظتها، يؤنبها و يجبرها على مواجهة حقيقة قطار العمر المقبل مسرعا مهددا مستقبلها كفنانة و كإنسانة لم تعيش عاطفتها كأمرآة و لم تعرف الحب الحقيقي ، و جاء إدراكها لذلك متأخرا أو في الوقت الضائع.

و إذا كانت "ثيمة" " إمرآة تحت ضغط " هي عذاب "مابل" التي فقدت الخيط بين العقل و الجنون و صارت ضائعة بين العالمين،لا راحة لها في أيي منهما. فإن إضطراب "مارتل" النفسي هنا ، مؤقت، عارض، أو هي علي الأقل تعتبره كذلك و تعلله بصعوبة الدور و الظروف الصعبة التي مرت بها بعد مقتل الفتاة. و هي و إن حافظت علي هذا الخيط فقد فقدت خيطا أخر ، ألا و هو ذلك الذي يفصل الواقع و الخيال، الحياة و المسرح ، "مرتل" و "فرجينيا" . إن الفيلم هو قصة محنتها حين اختلطت عليها الصور و اتحد العالمين، حين قفدت المقدرة علي التمييز بينهما و استرداد ذاتها.

استطاعت حركات الكاميرا القلقة التي تعطيك الشعور و للوهلة الأولي أنها تتحرك بإرتجالية طليقة و لكنها بليغة، أن تنقل لنا احساسيس "مرتل" المهتزة و أجواء التوتر التي تعيش فيها ( مدير التصوير في كلا الفيليمن هو Al Ruban الذي عمل أيضا كمدير إنتاج للعديد من أفلام جون كسافيتاس).
استطاع "كاسفيتاس "أن يخلق جوا مسرحيا بلقطات طويلة ثابتة ليس فقط في المشاهد التي صورت فوق خشبة المسرح. فغرفة "مرتل" في الفندق بديكورها المسرحي و اتساعها الهائل تشبه خشبة المسرح و تؤكد علي الخلط الواقع في حياتها بين العالمين ، و نحن نراها في غرفتها كما نراها فوق المسرح ، في لقطات طويلة ثابته، فحتي عالمها الخاص أصبح ملكا لجمهورها. هذا غير القطعات المونتاجيه المفاجأه و استخدام المرايا و عناصر أخري وظفت بشكل أو بأخر لتأكيد إنسياب العالمين و اشتباكهما.
يتنهي الفيلم نهاية يمكن أن نصفها بالسعيدة، مع أنها لا تقدم حلا و لا تجيب سؤالا. و لا نعرف هل اتنهت معاناة "ميرتل " أم أنها ستستمر و تتطور .. فيليوم العرض الأول بنيويورك، تأتي "مرتل" إلي المسرح في حالة مزرية، ثملة إلي الحد الذي لا يجعلها قادرة علي الوقوف، و لكن مخرج العرض الذي لاطالما وثق في قدراتها و أصر علي أن تلعب هي الدور رغم ما مرت به من أزمات، يتركها تسقط ثم تقف لتسقط مرة أخري و هكذا حتي تصل إلي المسرح ، تخرج للجمهور و تلعب دورها محاولة أن تتماسك بقدر ما تستطيع حتي تتغلب علي سكرها و تنطلق في أدائها و كأن عالم "ميرتل " الحقيقي ، هي المسرح، و هي إن كانت قد فشلت في العثور علي ذاتها في الحياة، فقد عثرت علي شخصية دورها فوق المسرح في أصعب الظروف و رغم الألم و الثمالة.
من دون "جينا رونالدز " لربما كان الفيلم فيلم أخر ، ليس بهذه الروعة و المصداقية. فأدائها كان مفتاح النجاح الذي توج بدب مهرجان برلين الفضي لأحسن ممثلة .

الخميس، 25 مارس 2010

أوغاد شائنون (Inglorious Basterds ) لتارنتينو ... الزيف يصنع التاريخ !


حاول الفكر الإنساني علي مدي عصوره أن يفلسف التاريخ صانعا له مسارات وهمية و مجبره على السير وفق قوانين مصطنعة ، متقدما تاره و متراجعا تارة أخرى، ناسخا ذاته، سائرا في دوائر ، صاعدا لمنحنيات أو هابطا منها. و الحق أن التاريخ يستعصي علي كل قالب و ينفر من كل قانون و يسخر من كل محاوله لتقييده في مسار فلسفي واهم. و الإنسان ينسى أنه "عارض" في تاريخ الكون، سطر واحدا في سفره الضخم فعمره على الإرض قصير إذا ما قورن بعمر الكون ، و عمر حضارته ـ المشكوك فيها! ـ أقصر كثيرا. فالإنسان كما يقول "فوكو" إختراع حديث بدأ العالم بدونه و سينتهي بدونه. و التاريخ لا غايه له و لا هدف يصيبه، و لا يختبأ خلفه جوهر أو يحركه قانون،إنه سلسلة من الصدف لا ضرورة لها بل كان من الممكن تجنبها أو استبدالها.


في أحدث أفلام "تارانتينو" "Inglorious Basterds" الذي تم عرضه في المسابقة الرسمية لمهرجان "كان" السينمائي الدولي لعام ٢٠٠٩ يقف "تارنتيونو" Quentin Tarantino موقف الفنان الحقيقي الذي يؤمن بالفن كمرادف لرؤية خاصة للعالم، مفارقة للوقائع في حالتها الباردة الباديه عليها و محلقة بها إلي أفق أرحب تتيح لها إمكانات لا نهائية للتمثل و ديناميكية حرة مستمرة لا يلزمها المنطق ، يسخر"تارنتينو " من الثابت، يسخر من التاريخ و يجرده من قداسته، يخلط الزيف بالحقيقه، فيبدو الزيف أكثر صدقا أو تصبح الحقيقة مجرد فرضا، إمكانيه من ضمن ممكنات عدة، لا قيمة لها في ذاتها، و لم تسد على غيرها إلا لأن الصدفة حكمت بذلك.


يقدم "تارنتينو " فيلم تاريخي، و لكنه لا يذهب إلي التاريخ و لا يهمه ما قالت كتبه، إنه يستدعي التاريخ إليه، يعرضه علي قلبه الشاعر و عقله الموهوب، يجوب به أرجاء عالمه بكل ما فيه من هواجس و مخاوف و جنون. و بدلا من أن يعيده علينا تذكيرا لنا أو وعظا نمصمص له الشفاه، يصفعه، يمارس حق الفنان في أن يسخر منه و يضحك عليه، بل في أن يبسق في وجه، و تكون البسقة ماء النار التي تذوب فيها ثوابته و مقداساته .


و التاريخ صناعته الأسطورة. و حقائقة ألعوبة الأهواء الدينية و السياسية و النفسية، فكتبه سجلات للاوعي الشعوب و أضغاث أحلامهم قبل أن تكون سجلات لما مروا به بالفعل من خطوب و وقائع ، و الأوغاد الشائنون هم أبطال "تاراتينو " الحقيقيون ، عفويون ، دموييون ، سفلة و إنسانيون في الوقت ذاته ، يرفعون تيجان التاريخ عن رؤوس أبطاله المزيفين و يفضحون مجرميه الذين تخفوا في أردية الأكاذيب الإعلاميه مثلما كانوا يجمعون فروات رؤوس من يقتلونهم من النازيين ، أو يوسمونهم فوق رؤرسهم بصليب معقوف فلا يستطيعون بعد ذلك أن يخدعوا أحدا، مدعيين البطولة متخفيين من عارهم متنصلين من جرمهم.


لقد أراد "تارنتينو" تحطيم "الحقيقة التاريخية " فقد أبى لها أن تتحطم إلا فوق أبطالها، أبطال التاريخ الذين هم في أغلب الأحيان جبناءه الذين صنعتهم صدف مجنونة و ظروف لا دخل لهم بها جعلتهم في واجه الأحداث و فوق أعناق الجماهير ،أسمائهم في الأفواه و ذكراهم في العقول و سيرتهم في الكتب و بقى الأبطال الحقيقين متوارين في الظلال ، من حسن بطولتهم أن الشهرة لا تعنيهم بل ربما زيفت سيرتهم ، ففي إحدي المشاهد يتعجب الكولنيل النازي "هانس لاندا " ( كرستوفر فالتس ) كيف أن أحد أعضاء فريق "الأوغاد " طويل القامة مع أنه اسم شهرته the little man .



يستحضر "تارنتينو" في فيلمه الحرب العالمية الثانيه ، و ينهيها في مكانه المفضل، في قاعه عرض سينمائية باريسية وقت الاحتلال الألماني لفرنسا، قدرت لها الصدفة العجيبة أن تستضيف رؤوس النازية لتحترق بهم جميعا. و هو يبقي على أبطال الحرب جميعهم ـ أو مجرميها ـ "هتلر" و" جوبلز" و "جورينج " و " بورمان " ، يأتي بهم جميعا إلي عالمه الخلاق، ثم يعيد خلق التاريخ على هواه، مخلوق جديد لا ينتمي للواقع بحال، مطبوع بروح خالقه المبدع في كل ملامحه، عشقه لهيتشكوك Hitchcock، للسينما الألمانيه التعبيرية في العشرينيات، لبابست Pabst و ريفنشتال Riefenstahl، لأفلام الحرب و أفلام الويسترن Westerns ، للنساء القويات الجميلات ذوات الإشعاع الكاريزمي و الولع بالثرثرة و الحوارات الطويلة الذكية و المرح الدموي المجنون. فالفيلم إن جاز التعبير "تارنترة " للتاريخ، فيلم تتكثف فيه طموحات صانعه في الحكي و الرؤية لتبلغ أقصاها منذ أن بدأ مشواره السينمائي الناجح في بداية التسعينات و العامر بالجوائز و التقديرات.


و هذا المقال ليس نقدا للفيلم بقدر ما هو إشارة إصبع ، نافذه لا تغني عن مشاهدته، فهو فيلم يستحق المشاهدة ، و ربما لأكثر من مرة فالمتعة مكفولة على كل حال ، و هو أكبر من الأوسكار التي رشح لها بين عدد من الأفلام الضعيفة ثم لم يفز بها و إن كان الممثل النمساوي "كريستوفر فالتس" قد حصل علي جائزة احسن ممثل مساعد، بجدارة لم يكن الجدال عليها ممكنا.


الجمعة، 21 أغسطس 2009

الجحيم يعيد " رومي شنايدر " إلي الحياة !!

" في الحياة لا أقدر علي شىء و علي الشاشة كل شيء !"



من الأفلام المميزة التي عرضت في مهرجان كان هذا العام ( ٢٠٠٩) ثم فى مهرجان "ميونخ "بألمانيا فيلم أعيد إكتشافه حديثا بعد خمسة و أربعين عاما ظل فيها حبيس الأدراج . إنه فيلم L'Enfer أو الجحيم للمخرج الفرنسي الكبير "هنري كلوزه " Henri Georges Clouzot (١٩٠٧-١٩٧٧) و الذي كان قد بدأ في تصويره عام ١٩٦٤ و بميزانية مفتوحة ثم لم يستطع أن ينهية لأسباب مازالت تبدو حتي اليوم غامضة .

فالبرغم من أن السبب الظاهري هو إنسحاب بطل الفيلم " سيرجي راجياني " Serge Reggiani قبل إنتهاء التصوير إلا أن فريق العمل كان لديه إحساس عام بأن الفيلم لن يكتمل علي أي حال ، فقد إنخفض إيقاع "هنري كلوزه " بشدة في أيام التصوير الأخيرة و أخذ يبالغ في تفصيلات اللقطات بطريقة لم يعهدها منه كل من عرفوه ، فقد عرف عنه أنه لم يكن ليذهب موقع التصوير إلا و في يده "ديكوباج " محكم و مفصل حتي أصغر التفصيلات ، إلا أنه فجأه و أثناء تصوير هذا الفيلم صار كالتائها لا يعرف ما الذي يفعله و أخذ يفرط في التجارب قبل كل لقطة و يعيد اللقطات عشرات المرات و يبدل و يغير حتي أرهق فريق عمله و أحبط عزمه ...

ما عرض في مهرجان كان لهذا العام ٢٠٠٩ هو إعداد فيلمي قام به المخرج الفرنسي " سيرجي برومبيرج " في أولى تجاربة السينمائية الوثائقية حيث استطاع الحصول علي الأجزاء المصورة من الفيلم ، التي لم يكن قد شاهدها أحد منذ توقف التصوير عام ١٩٦٤ بعد مفاوضات صعبة مع زوجة " كلوزوه" .. المواد المصورة لم يسجل لها شريط صوت فاستعوض " برومبيرج " عن ذلك بموسيقي بديعة ألفت خصيصا لهذا الغرض ، ثم أدمج "برومبيرج " المواد المصورة مع حوارات وثائقية قام هو بتصويرها مع أفراد من فريق العمل و بعض من الذين أحاطوا بكلوزوه في تلك الفترة علي رأسهم صديقه المخرج اليوناني العظيم " كوستا جارفاس " . كما قام أيضا بتصوير مسرحي رمزي لبعض من أجزاء السيناريو التي لم تصور و التي رأها "برومبيرج " مهمة لكي نفهم سيناريو كلوزوه .

" الجحيم " لكلوزوه كان فيما يبدو ثورة من نوع خاص علي السائد من السينما ، ثورة تختلف عن تلك التي تولي كبرها معاصريه في فرنسا "تروفوه "و "جودار" الذين لم يعجبهم "كلوزوه " و رأووا فيه ممثل للتيار الخمسيني الفرنسي الذي حان الوقت لتغييره .

كلوزره أيضا كان مؤمنا بالتغيير و لكن ليس علي طريقة الموجة الجديدة ، فقد حافظ في فيلمه " الجحيم " علي السرد الروائي التقليدي ثم أضاف عناصر تعبيرية مستغلا و مطورا تقنيات السينما الألمانية الصامته في عشرينيات القرن الماضي ، فقام بتجربة عدد كبير من خدع و أشكال بصرية و تراكيب لونية غير تقليدية كما وضع خطة لشريط الصوت ، حاول " برومبيرج " إعادة بنائه من خلال أوراق "كلوزوه " احتوت علي قدر كبير من التجريب و اللعب بالتردادات الصوتية عن طريق تسريعها أو تركيب عددا من الأصوات بعضها فوق بعض ، كل ذلك ليضيف " كلوزوه " لخطه الدرامي بعدا فانتازي يدعم الدراما و لكنه لا يلغيها .

مفاجأة الفيلم هي الساحرة " رومي شنايدر " Romy Schneider أو " رومي شنيديغ " كما ينطقها الفرنسيون و التي كانت في ذلك الوقت قد تجاوزت طور المراهقة الصغيرة "سيسي" ، و صارت نجمة شباك محبوبة يملأ صيتها الأذان و يخطف الأبصار وهج أنوثتها البراق ، فتخفق لها قلوب الملايين .

و كان قلب النجم الفرنسي الوسيم " آلان ديلون " علي رأسهم حيث شغف بها حبا ، و هي كذلك .كانت " رومي شنايدر" الاختيار الأمثل لتلعب دور " أوديت " في جحيم كلوزوه ، ففتنة " أوديت " يسيل لها لعاب الرجال و تسلب عقولهم ، و قد سلبت عقل زوجها ، فأضحي يغير عليها بجنون و يتوهم خيانتها له مع كل من حولها رجالا كانوا و نساءا بينما هي في الحقيقة وفية ، مخلصة له ، بريئة من كل هواجسه .

و لم أعرف وجه إجتمعتا له ما لحواء من فتنة و إثارة و مالها من براءة تنساب عذبة نقية مع كل إبتسامه ، كما إجتمعتا في وجه " شادية " و " رومي شنايدر " !

و إذا كانت " رومي شنايدر " نمساوية المولد ، ألمانية الأبويين و الإنطلاقة الفنية ، فإنها فرنسية الوجه و القوام و المجد الفني بعد ذلك ، فقد لعبت في فرنسا أروع و أغلب أدوراها و ظلت طوال سنوات الستينيات و السبعينيات إحدي نجمات الصف الأول في فرنسا مع " بريجيت باردو " و " أنا كارينا " و اختارها عدد من المخرجين الكبار بطلة لأفلامهم أمثال الأمريكي " أورسون ويلز " و الإيطالي " لوكينو فيسكونتي " و في عام ١٩٧٨ رشحها المخرج الألماني الكبير " فاسبيندر " لبطولة فيلمه الشهير " زواج ماريا براون " Die Ehe der Maria Brauen و رغم حماسها في البداية للفكرة فقد تعزر المشروع بعد ذلك حيث لم تطق معاملة "فاسبيندر "لها التي وصفتها بالفظاظة .


ولدت "رومي شنايدر " في عام ١٩٣٨ و كانت إنطلاقتها الفنية الأولي حين لعبت دورة "سيسي" Sisi إمبراطورة النمسا في فيلم ألماني حمل نفس الاسم و ظهر عام ١٩٥٥ ليحقق نجاحا غير مسبوق حيث لاقت قصته البسيطة شديدة الرومانسية و السطحية أيضا إستحسان الذوق الألماني الناشىء في أعقاب معجزة الخمسينيات الإقتصادية , حيث أقبل الألمان علي القصص السينمائية الخفيفة بنهايتها السعيدة و مناظرها الرومانتيكية الخلابة فرارا من ذكريات الحرب و مآسيها .

صارت " سيسي " إيقونة لفترة الخمسينيات في ألمانيا ،بل صارت صفة تطلق علي الجميلات من الفتيات اللاتي لهن نعومة الحرير و رقة البسكويت .. و ارتبطت الشخصية برومي شنايدر ، فأنتجت خلال السنوات الخمس اللاحقة لنجاح الفيلم الكبير ثلاثة أفلام أخري تتناول حياة "سيسي " من بطولتها .

و الحق أن " سيسي " أوقعتها في مأزق كبير ، فقد إعتاد الناس رؤيتها في صورة الأميرة الرومانسية التي تشبه فتيات الأساطير بالمروحة و الفستان المنفوش ، فإذ بالمخرجين يعرضون عليها أدورا مشابهه ، تارة "كونتيسة " و تاره إبنه ملك ، فقررت رفض كل دور له صلة من قريب أو بعيد بسيسي ! و ندمت على تكرار لعبها رغم النجاح الكبير.

و مع ذلك عندما قرر المخرج الإيطالي العظيم " لوكينو فيسكونتي " (1906-1976) أن يكتب فيلما عن حياة ملك بافاريا " لودفيج الثاني " ، اختار " رومي شنايدر " لتلعب دورها الشهير ، سيسي مرة أخري ، و لكن في مرحلة منتصف العمر . فقبلت "رومي " دون تردد قدرها الإمبراطوري ليظهر الفيلم عام ١٩٧٢ ، و هو فيلم ملحمي مدته ٤ ساعات و سبعة دقائق !

و في عام ١٩٥٨ و لأن لغتها الفرنسية ممتازة ، إختيرت "رومي "لتلعب دور البطولة أمام " ألان ديلون " في فيلم فرنسي يحمل عنوان " كريستينا " و في أثناء التصوير اشتعل بينهما الغرام ، لتبدأ قصة حب شهيرة كانت حديث النميمة في فرنسا :النجم الوسيم الذي تطارده المعجبات ليلا و نهارا وقع أخيرا في شباك الهوي .. و الصائدة ؟ .. مراهقة ألمانية جمالها أسطورة !

تمت خطبة العاشقان و قررت بعدها" رومي شنايدر " أن تقيم بشكل دائم في فرنسا بالقرب من من اختاره قلبها و انهالت عليها العروض الفنية و صداقات كبار النجوم و الفنانين و الساسة هناك ، لتصير فرنسا بلد حقيقي لها حتي بعد إنفصالها عن آلان ديلون و الذي ارتبط بها ٤ سنوات ثم تركها لأجل أخرى و ندم علي ذلك طول عمره ! و علي كل حال فقد ظل صديقا مقرب لها حتى وفاتها .

ثم تزوجت بعد ذلك من الممثل و المخرج المسرحي الألماني اليهودي " هاري ماين " ، و قصته عجيبة و كئيبة ، فقد أحرق هتلر أبيه و أمه و كل عائلته في معسكرات الإعتقال النازية و نجي هو بإعجوبة ثم درس المسرح و عمل بالإخراج . أحضرته رومي معها إلي باريس ، و كانت حياتهما نموذج لقصة " زوج الست " الشهيرة ، فهي نجمة مليء السمع و الأبصار و هو فنان مغمور يعرفونه الناس فقط بصفته زوجها ، ـ خليفة آلان ديلون ! .

كان حب "رومي" له لا خلاف عليه ، و قد دعمته كثيرا، فكانت تتوسط له ليعمل في أفلامها كمصمم مناظر أو مساعد مخرج أو ليقوم بتمثيل بعض الأدوار الصغيرة ، و قد جعلته مدير أعمالها، ثم توسطت له لكي يقوم بإخراج مسرحية للكاتب النمساوي الكبير "توماس برنهارد " في مهرجان سالزبورج ، ففشلت فشلا مدويا . ثم توسطت له مرة أخري ليخرج اثنين من أوبرات فاجنر و أوبرا أخري لروسيني بنفس المهرجان ، فلم يكن حظه مع الأوبرا بأفضل حال وانتهى الحال بهما إلى الإنفصال عام ١٩٧٥ ثم إنتحاره المفاجيء عام ١٩٧٩ وحيدا يأسا و مدمنا ...

و في فبراير ١٩٨١ بدأت " رومي شنايدر " في تصوير المشاهد الأولي من فيلمها الثالث و الستين la Passante de Sans-Soucie أمام النجم الفرنسي " ميشيل بيكولي " و لكن تأجل التصوير فجأه بعد أن سقطت رومي شنايدر أثناء العمل فانكسرت ساقها ، ثم تأجل مرة أخرى حين كان عليها أن تجري عملية عاجلة في كليتها و لم يكد الفريق يعاود العمل حتى توقف كل شيء مرة ثالثة ، حيث عاجلت " رومي " الفاجعة الكبرى التى كانت سببا في القضاء عليها ، سقط إبنها البالغ من العر ١٤ عاما من إحدى الشرفات و هو يلعب ,ففارق الحياة لتفارق "رومي " أيضا إبتسامتها الناعمة التي طالما أشرقت سحرا إلى الأبد ، عاشت "رومى " أيامها الأخيرة بعد وفاة ابنها في بؤس شديد ، كأنها لم تعشها ، بل كان الموت هو من تأخر علي موعده معها ، فتركها هكذا لا تعيش أو تموت ، انطوت و انعزلت و أكملت الفيلم بأعجوبة ، و لأول مرة يجتريء علي جمالها الزمان فيكسي ملامحها بخطوط الألم ، تنكب "رومي" علي الخمر ، تبعتد عن الأضواء و عن استقبال الإصدقاء حتى يعثر عليها ميتة في منزلها فى صباح يوم التاسع و العشرين من مايو عام ١٩٨٢، لتنتهي أسطورة في زمن كان قد ودع أساطيره و تبقي ذكراها فى القلوب حية ، إله للجمال و الحلم المستحيل لكل الرجال !