الجمعة، 28 نوفمبر 2014

صباح لا تموت

صباح لا تموت. هذه إشاعة جديدة في سلسة الإشاعات التي لا تنتهي، أو ربما تكون هذه بالفعل أخر الإشاعات. صباح ميتموتشي .. هذه إشاعة مثلها مثل كل ما سبقها من الإشاعات، ولكن لم يطلقها هذه المرة المغرضون أو الحاقدون أو المتسلون بأخبار أهل الفن ومصائبهم يتناسون بأكاذيبهم خوائهم أو يأسهم، الإشاعة أطلقتها صباح بنفسها وعلى نفسها.. هي من يدعي الموت

من منا لا يحب أن يكون صباح ؟..

لموالها خشعت الآذان وفي حضرة جمالها طارت القلوب وراحت العقول، فُرشت لها الأرض حرير، ترامت قبلات العشاق على قدميها، لمع صدرها ذهباً وماساً ونعم قدها بأعاجيب الفساتين وكأنها شهرزاد الحواديت، شربت من النور وشهدت ألف مجد ومجد، عاشت ورأت وأحبت ثم ملت، تعبت، سكتت عن الكلام المباح والغير مباح، أدعت الموت الذي كرهته ونامت..

صباح لا تموت، لو كانت صباح تموت لصار كل شيء جائز، قد تغادر الكواكب مداراتها، قد تنطفىء النجوم، قد يصبح للسلم الموسيقي ثلاثة نغمات فقط، قد لا تصبح باريس مدينة الحب، أو يأتي الصيف بلا ليال دافئة ،قد يبكي القمر، قد لا يطلع الصباح..


المرة الأولى التي رأيت فيها صباح كانت على غلاف إحدى أعداد مجلة الموعد اللبنانية التي كان يرأس تحريرها بديع سرابيه، أظن أن العدد قد صدر عام ١٩٨٢ واحتفظت به أمي هو وأعداد أخرى  لسنوات عديدة، لفتت صورة صباح انتباه الطفل الذي كنت، فراشة متلونة شقراء كالشمس يتدلى شعرها إلى صدرها في تموجات لا تنتهي يجلس فوق رأسها تاج لامع وعلى وجهها ابتسامة نضرة فرحة لا تملك حين تراها إلا ردها ولو في الخفاء

داخل العدد كانت هناك صور أخرى لها بفساتين عدة متنوعة الألوان والتصاميم، الجيب ذات الوسط الساقط، الفساتين الطويلة المنفوشة، بدلة جلد النمر، هذا غير المجوهرات والأكسسوارات، عالم مبهر الأشكال والألوان..

 لم أكن أعرف أن تلك الفراشة المبتسمة هي صاحبة الأغنية التي لطالما غنتها لي أمي .. أكلك منين يا بطة أكلك منين.. في فراولتين في شفايفك حلوين حلوين، صحيح أن الأغنية في الأساس لبنت لا لولد، ولكن ذلك عند أمي سواء، فأنا "بطتها"، بل وأمورتها الحلوة أيضا. 

ثم تبين لي أن خالاتي وأمي في نميمتهم يذكرن اسم صباح بين الحين والحين، يتغامزن ويلمزن، يصفنها بالمتصابية، يحسدنها على جمالها وعلى وسامة زوجها الشاب (فادي لبنان)، يشهدن لها في الوقت ذاته بعظمة الصوت وخفة الدم، يتغنين بابن الحلال ويانا يانا وألو بيروت وهنا القاهرة بلاءلاء ويادلع دلع ،يحزن على حزنها ويفرحن مع فرحها في الأيدي الناعمة  وشارع الحب والرجل الثاني والمتمردة والعتبة الخضراء

لو كانت فيروز إله للعشق عند العرب، فإن صباح أسطورتهم الحية، هي التي أرادت أن تكون أسطورة وعاشت سنوات عمرها المديد بمقتضى هذه الإرادة، وقفت في وجه الزمان طامعة في الخلود، عاندها وعاندته، وحين ألحق بها الهزائم صمدت مكتفية بتاريخ من الانتصارات تُكتب فيه   القصص والملاحم ..

يخيل إلي أن صباح كانت هاجس لفنانين عاصروها، اختفوا من الساحة أو أخفاهم الخوف لطالما عجبوا صمودها، حباً لها تارة وحقداً عليها تارة أخرى وتارة ثالثة رفقة بها وبنفوسهم الضعيفة، ستظل صباح نفس الهاجس لفنانين جائوا بعدها وأخرين لم يجيئوا بعد، بل نفس الهاجس لسواهم من البشر، بل هاجس شخصي لي أنا أيضا ودرساً في الإيمان بالنفس وحب الحياة..

ستظل أم الشموش، أيه البهجة وبسمة الأمل..

الثلاثاء، 19 أغسطس 2014

عن أنوثة ما بعد الستين: أيام فاني أردنت الجميلة!



جميلات السينما في فرنسا كالعطور هناك، لكل منهن عبق خاص ورونق أخاذ وبصمة لا تستبدل، ومن بينهن جميلات تذددن فتنة وجلالاً مع مرور الزمان، على رأس هؤلاء كاترين دونوف Catherine Deneuve التي خطفت الأنظار بجمالها الغامض في الستينيات، فصارت نجمة أولى في أفلام مخرجين كبار كبولانسكي ولويس بونيل ثم إيقونة للسينما الفرنسية بداية من التسعينيات بعد نيلها الأوسكار عن الفيلم الملحمي Indochine

والسنوات الأخيرة لم تزد دونوف غير تألقاً وسحراً في أدوار أعادت اكتشافها لتولد فنياً من جديد وتدخل مرحلة هي في رأي أغنى مراحلها، فدونوف لم تكن يوماً بذلك النضوج الأدائي، بتلك التلقائية أمام الكاميرا التي هي عليها الأن ومنذ سنوات قليلة، بتلك المقدرة على التعبير وذلك العمق في استيعاب الشخصيات والأساليب الإخراجية المتعددة، ثم أن تجاعيد الزمان  لم تمس جمالها بسوء إن لم تذده غموضاً وسحراً وهي على مشارف عقدها الثامن

ومن هؤلاء الفاتنات أيضا فاني أردنت Fanny Ardant معشوقة المخرج الفرنسي العظيم فرنسوا تروفو في ايامه الأخيرة وام ابنته الوحيدة، وبطلة عدداً من أفلامه الأخيرة التي قدمها فيها وجها جديداً ونموذجاً لجمال فرنسي غير معهود، فتح لها أبواب النجاح مع العديد من المخرجين الأخرين داخل فرنسا وخارجها، تخطت فاني أردنت اليوم الستين ومازال جمالها رأسمالها، لم تنضب منابعه، بل لم تنكشف كل أسرارة بعد.
في أحدث أفلامها les beaux jours أو الأيام الجميلة تلعب فاني أردنت دور أم وجدة يتهددها المصير التقليدي لحياة مابعد الستين، حياة فارغة بلا إثارة، بلا إحلام ولا طعم للتحدي، فتقرر أن تولد من جديد، أن تسخر من الزمان وتعبث بمداراته في نفس اللحظة التي يدعوها هو فيها لتسكن الهامش، تنعم بهدوء مشرف وتنتظر النهاية بضمير راض.


تلعب فاني أردنت "كارولين" إمرأة ترفض الحياة على الهامش ولكن يعوزها الثقة لتقبل التحدي، إلى أن يقابلها الحب أو تقابله، ليس الحب العادي الذي يجعل الحياة في مرحلتها العمرية ممكنة، حين يقرر اثنان أن ينتظرا النهاية سوياً بدلاً من أن تقتلهما الوحدة، أن يواسيا الساعات بحديث عن ذكريات ولت وأيام كانت بدلاً من أن تتردد أصدائهما في الفراغ، فهذا الحب تعيشه بالفعل مع زوجها ورفيق عمرها وهو حب لا يخرجها من محنتها ولا يهديها للمعنى الذي تبحث عنه، لا تبديل فيه ولا تغيير ولا غاية من وراءه إلا استلهام الماضي واحتمال الغد.

الحب الذي تقابلة بطلتنا حب أخر يتدفق نوراً وناراً وجنوناً مراهقاً ينعش ذكريات الصبا ويجدد خلق الوجود ويطليه بألوان البهجة، تقع بطلتنا في حب شاب يصغرها ربما ب٣٠ عاماً، وهي رغم تحفظها وادراكها أنها بتورطها في علاقة كهذه إنما تتلاعب بالمنطق وبالزمان إلا أن حلاوة الشباب التي مست قلبها وأرعشت جسدها لا تترك مكانا لعقل يحسب ويفكر.. إلى أين يذهب بها هذا الحب ؟ ماذا عن زوجها ؟ ما الذي ستقوله بناتها ؟ ورغم أنها لا تريد الإنخداع بمعسول كلام عاشقها الشاب Laurent Lafitte ولا بعسل عيناه الداكنتان اللاتي يشتعلان لهفة ورغبة فيها، إلا أن أنوثتها الموشكة على الذبول تستسلم للرغبة، تقبل المغامرة وتنصاع لهوى اللحظة الذي يحلو معه مذاق كل شىء، حتى الزيف. 
يستغرقهما الجنس المفرط، جسدها الذي لا يشبع يؤكد لها كل يوم أن جمالها لم ينطفىء وأن قلبها لم يعرف الشيخ بعد، وحين توشك بطلتنا على النصر، حين تصدق أن صباها قد عاد وأن أنوثتها تتفتح ورودا وقلبها ينبض شباباً،يفصح الزمان عن وجهه الحقيقي في مشهد الفيلم الأخير، عن قوانينه القاسية التي لا تتبدل.


 لا يخونها عشيقها ولا يخدعها، لحظة تكشف وجودي هي التي توقظ كارولين من سكرة نزوتها وهم في طريقهما لقضاء أجازة العمر، مجرد حديث عابر بينها وبين عجوز مسافرة، وحديث أخر تسمعه بين صديقها وبين حسناء في مثل عمره، يزول طعم العسل، تذوب نشوة الحلم الذي انقلب صدفة لواقع مضحك، لا باق غير أثار الزمان ومرارة الحقيقة.

شخصية كهذه تكاد تكون قد حيكت خصيصاً لتلعبها فاني أردنت، بل لا أستبعد أن مخرجة الفيلم Marion Vernoux  كانت تتخيل فاني أردنت أثناء كتابتها للشخصية، فهي اليوم من الممثلات القليلات القادرات على لعب أدوار الإثارة ومشاهد الجنس رغم تقدم العمر بهن، فابتسامتها بقت على روعتها وجسدها رغم تجاعيده احتفظ بعبقه المثير، كعطر يزداد سحرا كلما مر عليه الزمان. 

تشبه أردنت "كارلوين"  في الإيمان بالنزوات، في أن لكل لحظة قيمتها ومتعتها وأنه لذلك لا مراء علينا أن نعيش العمر لحظة بلحظة دون أن نوجع الرأس بثقل الماضي والخوف من المستقبل .. عن فيلمها الأخير تقول فاني أردنت " أنه أنشودة للحاضر، ما الذي يجعل الحاضر كله لحظة ؟ ليس الكلام الكبير بل الأشياء العادية وحدها، حمام ساخن ،كأس نبيذ فاخر أو الذهاب للفراش   .. الحب وحده هو ما يهم!"


الأربعاء، 30 أبريل 2014

حتى نخرج للنهار .. هالة لطفي في دور العرض المصرية

حتى نخرج للنهار..

هالة لطفي في دور العرض المصرية


سنوات عديدة كان على السينما المصرية إنتظارها منذ إنفراجة ما يعرف بالسينما المستقلة في  أوائل القرن الحالي قبل أن يخرج فيلم في نضوج "الخروج للنهار" لهالة لطفي .. سنوات كانت إحباطاتها أكبر من إنجازتها وأكبر من كل الوعود بسينما جديدة، شابة، تخلص للفن وحدة، تترفع عن السوق ومتطلبات الإنتاج المؤسسي الربحي وتنفر من نمطية المواضيع والأشكال .. 
فمن بين محاولات أخلصت النية في تقديم الجديد وعازها فقر الموهبة أو هزالة الإنتاج، وأخرى ظن أصحابها أنهم أنبياء يحملون رسالة السينما الجديدة فلم تكشف أعمالهم غير سطحيتهم، و في ظل أوضاع معيشية وسياسية تزداد سوءاً وإضطراباً وتؤثر سلباً على كل أشكال الإنتاج الفني في مصر، تواضعت الأمال المنعقدة وتضائلت التوقعات والبشائر وبات الإنتظار عبثاً إلى أن آذنت هالة لطفي للنهار بالخروج بفيلم سيقف أمامه مؤرخي السينما المصرية في المستقبل طويلاً ..

 منذ الدقائق الأولى الفيلم ندرك أن لمخرجته لغة سينمائية شديدة الخصوصية، لغة رصانتها وبرود إيقاعها يجعلها غريبة على المشاهد العربي، بل ربما أوقعته في أزمة تلقي تؤول فيها كل توقعاته لمسار الدراما إلى لفشل، ويبقى الفيلم بلا حدث حقيقي، مخلصا لإيقاعه ولأسلوب مخرجته ..
 تمر الدقائق في رتابة حياة أبطال الفيلم الثلاثة، أب عاجز وأم قهرها القدر فاستلسمت له في قوة ورضا، وابنة ضائعة تعيش أحلامهاً في استيحاء، رغم قسوة الواقع وظلام المستقبل.. أبطال هالة لطفي إناساً في الظل، يعيشون خلف كواليس الثورات والإنقلابات ومسارح التوك الشو الهزلية، أناساً وجودهم على الهامش، تتكشف معاناته في دقة التفاصيل وبساطة الدراما، بعيداً عن النمطيات الصاخبة والشعارات الرنانة ..


ربما تسائل الجمهور الغربي الذي شاهد الفيلم وكان يعرف مصر بأهراماتها وبحرها الأحمر ثم بات يعرفها من صور التظاهرات وقتلى الميادين وقصص التحرش الجنسي، أين "الثورة" ؟، كيف يكون هناك فيلم مصري لا يكون موضوعه الثورة، القتلى، الإسلاميين، الكبت الفكري والجنسي، كيف لا تكون فيه "مصر" التي يعرفها من نشرات الاخبار وعنواين الصحف ؟ .. 
أعرف أن هالة لطفي لم تتعمد أن يخرج فيلمها ويسافر مهرجانات عديدة  في توقيت تهاتف فيه من يهتم بالسينما ومن لا يهتم بها علي كل ما هو مصري، ليس لأن لمصريته قيمة في ذاتها ولكن لأنه لكونه مصريا الأن فسيحتوي ولابد على مادة مثيرة لها سوق إعلامي مفتوح في الغرب، فيلم هالة لطفي يأتي ضد التيار، ضد إرادة الأسواق وحماس المهرجانات الزائف، يأتي ليثبت وجوده بالفن وحدة بلا إتجار بثورة أو خلافه، حتي الألم الذي تقطر به مشاهده يتعالى صدقه على مشاعر الرثاء ..


بعد طول انتظار يخرج نهار هالة لطفي في مصر، تفتح له دور العرض أبوابها ليثبت وجوده في بلده أيضاً وبالفن وحده، ،لا كفيلماً للمهرجانات أو هواة المراكز الثقافية، بل فيلما للجميع، لكل محب للسينما الجادة التي لا تعرف مصطلحات ك "المستقلة" أو "النظيفة" ولا تتكلم غير لغة الفن الجميل. فأرجو أن يكون الإقبال عليه بقدر رقة لغته وصدق مخرجته الموهوبة، أرجو أن يكون بشرى خير على الفن المصري، يخرج به ونخرج معه إلى النهار..

السبت، 9 يونيو 2012

فهرنهايت 451 لفرنسوا تروفو .. في رثاء راي برادبري



ف هرنهايت ٤٥١ Fahrenheit 451
١٩٦٦
إخراج : فرنسوا تروفو François Truffaut 

بـطولة : Oskar Werner
            Julie Christie
****

منذ ايام قليله رحل عن عالمنا الكاتب الامريكي راي برادبري  Ray Bradbury. برادبري هو بلاشك علامه من علامات الأدب الامريكي في  النصف الثاني من القرن العشرين، وتعود شهرته في الأساس إلى رواية الخيال العلمي"فهرنهايت٤٥١" والتي صدرت في عام ١٩٥٣ أيام المطاردات المكارثيه للأدباء والفنانين في أمريكا. ومنذ صدورها أحدثت الروايه دوياً هائلاً بين جمهور ونقاد الأدب،فقد أعيد طبعها عشرات المرات وترجمت إلى معظم لغات العالم (صدرت الترجمه العربيه عند دار الشروق المصريه عام ٢٠٠٧ وكتب برادبري مقدمة جديدة لروايته خاصة بهذه الطبعه)  لتصير إحدي كلاسيكيات الأدب العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين و إحدى أكثر  روايات الخيال العلمي رواجاً. وكغيرها من الروايات الناجحة قررت هوليود تحويلها إلى فيلماً سينيمائياً، أمالجديد في ذلك فكان إسناد مهمة إنجاز السيناريو للمخرج الفرنسي الشاب آن ذاك "فرنسوا تروفو"  ١٩٣٢-١٩٨٤ لتكون أول تجاربه الفنيه خارج فرنسا ، وفي أمريكا ، البلد التي لا يجيد لغتها الانجليزيه فحسب، بل تمثل أفلامها ومدارسها السينمائيه الإتجاه المعاكس لقيم الموجه الفرنسيه الجديدة nouvelle vague التي ينتمي إليها تروفو، والتي قامت في الأساس كثورة على أساليب سينما تقليدية محافظه ونقض قوالبها المعهودة ، أمريكية الصنع في العادة.

كان عرضاً كهذا هو في الحقيقة نصر لتروفو وللسينما الفرنسيه البديلة التي بدأ صدى ثورتها يأخذ طريقه للولايات المتحدة في منتصف الستينات ثم صار أعلامها ، شابرول وجودار وتروفوا وغيرهم ملهمي جيل السبعينيات من مجددي هوليود أمثال سكورسيزي وسدني لومت.

كان اسم تروفو قد صار معروفاً في الأوساط الأمريكية ، ففيلمه الطويل الأول blows 400 قد نال استحساناً كبيراً حين عرض هناك، كما رشح لجائزة الأوسكار.وقد سبق تروفو زميله جودار الذي دعي هو الأخر  إلى أمريكا عام ١٩٧٠ لإنجاز فيلما لم يتم ، بينما أنجز تروفو فيلمه الذي نال كذلك حظا لا بأس به من النجاح في أمريكا وفرنسا. صحيح أن تروفو لم يكرر التجربه ولكنه على الأقل قد عاد مرة أخرى إلى هوليوود كممثلا في فيلم ستيفن سبيلبرج close encounters of the third kind عام ١٩٧٧. فرغم الجديد الذي جاء به تروفو، إلا أن سينماه بقت في إطارها العام مخلصة للقصة ولم تخض تجارب راديكلية في السرد أو في جماليات الصورة كما هو الحال مع سينما جودار الذي فشل في التأقلم مع الاسلوب الأمريكي.

****

تدور احداث فهرنهايت ٤٥١ في المستقبل ، في بلد مجهول تحكمه قوة فاشيه غاشمه ، مواطنوه بلا شخصيه ولا إنسانيه، مسامير في جهاز الدولة الجبار ، يحتكمون بأمره و يسيرون بلا وعي في فلكه، أفكارهم هي مايمليه عليهم جهازه الإعلامي ، تلفزيونات بعرض حوائط المنازل تعرض مسلسلات تفاعيله  لا تزيد مشاهديها إلا بلاهة، هذا غير جريدة رسميه ليس بها حرف واحد ، فقط صور ملونة لا تأخذ فكر  متصفحها أبعد من الحدود المرسومة ، فالفكر في هذا الزمان هو عدو البشرية الأول وأكبر ما يهدد الاستقرار ، لذلك خصصت الدولة جهاز إطفاء لنور الفكر ،مهمته حرق ماتبقى من الكتب. يبدأ الفيلم بمشهد سيارة إطفاء عجيبة تضم رجالاً حازميين بملابس سوداء وأنابيب إشعال حرائق وقد قاموا بمهاجمة بيتاً خبئت فيه عدد من الكتب الممنوعةـ كل الكتب ممنوعة. جاي مونتاج هو إحدى مشعلوا الحرائق العاملين في هذا الجهاز العجيب، وهو رغم إيمانه بعمله ورسالته لا يستطيع أن يشعر بالسعادة ، صدفة يقابل كلاريس ، فتاة لا تتوقف عن إلقاء أسئلة غير معتادة عن جدوى حرق الكتب، عن ما قد تخبأه في جعبتها الكتب، وعن السعادة المفقودة. تدفع أسئلتها الغريبة  مونتاج للتفكير فيتجرأ ويحتفظ سراً ببعض الكتب التي عليه أن يحرقها، ثم يبدأ في قراءتها وتتبدى له فاشية فعل حرق الكتب فيقرر إنقاذ قومه من ضلالهم ومعاقبه الجناة من مشعلي الحرائق أبناء مهنته بأن يخبىء الكتب في بيوتهم ثم يبلغ عنهم فتحترق النيران في بيوت مشعليها، إلا أن زوجته تبلغ عنه قبل أن يشرع في خطته، و إذ بزملاءه من مشعلي الحرائق قد هاجموا بيته ويأمره قائده بأن يخرج الكتب من مخابئها ويحرقها، فيحرق مونتاج أول ما يحرق حوائط المسلاسات التلفزيونيه ثم يحرق قائده ورجاله ويفر هارباً، فتقوده قدماه إلى ضاحيه بأطراف المدينة الظالمة سكانها يهبون حياتهم للكتب، فيحفظ كل منهم كتابا عن ظهر قلب، يحمله في قلبه وفوق لسانه ويعلمه لغيره، فيكون أحدهم إلياذه هوميروس وأخر كوميديا دانتي وثالث هاملت شيكسبير وهكذا، وينتهي الفيلم بمشهد يعده المخرج الألماني فيم فندرس من أفضل المشاهد في تاريخ السينما حيث يتلوا كل واحد منهم شيئا مما حفظه فتتداخل الكلمات واللغات، وتحيا الكتب فيهم ومعهم.

****

حاول تروفو أن يصنع فيلماً واقعيًا و أن يبتعد عن التفاصيل المستقبليه futuristic التي تحتشد بها الرواية ، فكانت ديكورات الفيلم في غايه البساطة ، تحمل بلاشك ملامح مستقبلية ولكنها تبقى محدودة، مسرحية ، بلا إبهار حقيقي وهو ماتعمده تروفو ، وما في سبيله قد استغتى عن تفاصيل وردت في الرواية كالكلب الألي المرافق لرجال الإطفاء، هذه التفاصيل نفسها هي التي قد تجعل من الرواية اليوم إذا مافكر أحدهم في إخراجها مرة أخرى للسينما مادة غنية للخيال الهوليودي ولفناني  ال3D وفنون الجرافيكس المختلفه، ولكن تروفو أراد لفيلمه شيئاً أخر، أراد أن يسرده سرداً واقعياً غير متكلف، أن تبقى الكتب ومأساتها المحور الرئيسي التي تدور حوله الأحداث، وتبقى التفاصيل الأخرى جانبية عادية، فرأينا مشهد احتراق الكتب يتكرر أكثر من مرة، ويطول أحياناً إلى حد مبالغ فيه، لقطات طويلة متكررة للكتب وعنوانيها  البارزة وهي تحترق( كما كانت الكتب وعنواينها مكونات أساسية في العديد من المشاهد بأفلام جان لوك جودار)، ومن بينها كتب فرنسية يفضلها تروفو نفسه بل أعداداً من كراسة السينما cahiers du cinema التى تعد بمثابة انجيل الموجة الفرنسية الجديدة. وقد قال تروفو نفسه عن الفيلم أنه كان تعبيراً عن حبه الشخصي للكتب، و أنه قد قدم الكتب كشخصيات في الفيلم.
رغم أن الفيلم هو المفضل لدى تروفو نفسه من بين جميع أفلامه، فأنه يبقى للأسف أقل مستوى من معظم أفلام تروفو الأخرى. فبالفيلم نبرة أخلاقية عالية وحملاً فكرياً لا طاقة للصورة به، كما أن الصورة التي خرجت عليها سيارة الإطفاء مثلاً أو شاشات الحوائط التلفزيونية كانت للأسف محبطة، بل أقرب إلى الهزليه وهي أسباب وجيه لتحفظ برادبري إزاء الفيلم.أن تروفو  لم يكن يوماً أستاذاً في التقنية والتقطيع الجيد، أستاذيته تكمن في بساطته، في قدرته على سرد قصص عن أشياء صغيرة، في صنع أبطالاً عاديين يحبون، يفرحون، يحزنون ويموتون،وجودهم الصرف هو شاغلهم ولا طاقة لهم بهموم العالم الفلسفية والسياسية. رواية كفهرانهايت ٤٥١ كانت بحاجة إلى أستاذ من نوع أخر!




الجمعة، 6 يناير 2012

حوار مع " فيم فندرس" حول "بينا".





الفيلم : بينا Pina
إنتاج : 2011
إخراج : فيم فندرس Wim Wenders
جائزة أفضل فيلم تسجيلي في مهرجان الفيلم الأوروبي 2011



هو بلا شك واحد من أهم الأفلام التي قدمتها السينما في عام  ٢٠١١ . " بينا" Pina رثاء المخرج الألماني الكبير "فيم فندرس" لسيدة الرقص المسرحي الحديث الأولى في كل العالم "بينا باوش" التي رحلت في عام ٢٠٠٩ ، أثناء جلسات التحضير للفيلم الذي كان يعده معها منذ سنوات عديدة و شاء القدر أن ترحل قبل أن تدور كاميرته. في هذا الحوار مع إذاعة بافاريا الألمانيه يتحدث "فيندرس" عن فيلمه، عن علاقته ببينا و دوافعه من وراء هذا الفيلم. 

- كيف تتذكر المرة الأولى التي رأيت فيها مصممة رقصات القرن "بينا باوش" ؟

 إلتقيتها شخصيا لأول مرة في فينيسا. و بصراحة  قبل ذلك لم أكن قد سمعت عنها كثيراً . فبين عامي ١٩٧٧ و ١٩٨٤ كنت أعيش في أمريكا و كانت هذا سنوات صعود نجمها في أوربا. و لكن صديقتي في ذلك الوقت كانت تعرفها جيداً ، بل و كانت من أشد المعجبات بها و شاهدت عروضها أكتر من مرة في فرنسا حتي أقنعتني أنا الأخر بأن أفعل. و هكذا شاهدت عروضها لأول مرة عام ١٩٨٥. شاهدت "طقوس الربيع" و " كافيه مولر" و تأثرت بشدة.

- و متى جأتك فكرة تقديم فيلم عنها أو معها ؟

بعد أول لقاء شخصي لي بها مباشرة. جاء هذا اللقاء بعد أن كنت قد رأيت عدد من عروضها حيث كانت تكرم في فينسيا. منذ اللقاء الأول تفاهمنا جيدا و سألتاها مباشرة عن رأيها في أن يحمعنا عمل ما سويا في المستقبل، و لكنها لم تجب، واصلت سحب الدخان من سيجارتها و تركتني بلا كلمة تعليق واحدة.  و بعدها بسنوات عديدة زعربت لي اللقاء أنها بالفعل مهتمة بأن تعمل معي هي و فرقتها "مسرج فوبرتال الراقص".

- و هل كنت تخطط لفيلم روائي أم تسجيلي ؟

فكرة الفيلم الروائي لم تروادني مطلقا. الذي بهرني في "بينا باوش" و فرقتها المسرحية كان منذ البداية فنها، فنها هو بالتحديد ما أردت أن أرصده و أنقل سحره على الشاشة، أنقل حضور الجسد و سطوته التي تخطف المشاهد و تشركه في عالمه، شراكه تختلف عن تلك التي نشعر بها في حفل "روك " صاخب، في المسرح، في الأوبرا أو حتي في السينما. بعد سنوات من معرفتي ب"بينا" و مشاهدتي لها بدأت أفهم سر سحر عالمها. أنها مقدرتها الفذة في تأمل الجسد، في الفهم الدقيق للغته و أعماقه.  ببساطه لقد كان بمقدورها قراءة البشر. 


ـ و لماذا تأخر هذا المشروع كل هذا الوقت ؟

"بينا" نفسها سألتني عدة مرات لماذا لا نشرع أخيرا في بدأ العمل سوياً، فاعترفت لها أنني لم استطع بعد  الإستقرار على صيغة ملائمة للتعبير سينمائيا عن فنها، فرغم طول انشغالي بالمشروع عجزت أن أجد الشكل المناسب  الذي يعبر عن ما أشعره و ينقل للمشاهد هذا الأحساس بالجسد. ثم كان الحل تقنيه ال3D 
و رغم أن المؤثرات البصرية المجسمة مازالت بدائية، فقد عرفت علي الأقل أخيرآً كيف يمكنني إستيعاب عبقرية مسرح بينا الراقص و التعبير عنه بصرياً بشكل يرضيني. التقنية الثلاثية ساعدتني أن أقتحم المكان من داخله و أعيد اكتشاف طاقاته. و رغم  عدم رضائي عن الجودة التقنية و لكنني متأكد أنها  ستتحسن مع الوقت.

- هل تحرص في عملك السينمائي على متابعة التقدم التقني و استخدام ما يتيحة من أدوات جديدة ؟ فقد صورت "بينا" و هو فيلم ينتمي بامتياز لسينما " المؤلف" Autorenfilm بأسلوب ال 3D الذي صور به Avatar لجيمس كاميرون . و قبلها صورت فيلمك Buena Vista Social Club  بكاميرا ديجيتال. بل لقد بدأت مبكرآ جدا يأخذ صوراً فوتوغرافية باستخدام كاميرا 3D كذلك.

حينما استخدم تقنية ما فالسبب يكون أنها تساعدني على تحقيق رؤيتي و ليس  لقيمتها في ذاتها. في التسعينيات كاد الفيلم التسجيلي أن يموت نتيجة إرتفاع تكاليف تصويره بالفيلم السينمائي العادي. ثم جائت الكاميرات الديجيتال لتنقذ الموقف بسعرها الرخيص نسبياً و سهولة تنقلها و قد شاهدنا كيف تطور الفيلم التسجيلي بعد استخدام تقنيات الديجيتال بشكل كبير في السنوات الأخيرة. و لكن في النهاية علي القول أنني لا أستسيغ تقنية ال 3D بصرياً، ربما تتيح هذة التقنية مستقبلاً إمكانيات جديدة و بالتأكيد سوف تتطور جودتها.

- كيف كان وقع موت " بينا باوش" المفاجىء في صيف ٢٠٠٩ عليك و كيف كان أثره على مشروع الفيلم ؟ 

سمعت بخبر وفاة بينا و أنا في مكتبي في برلين حيث كنا نجهز لنقل المعدات إلي "فوبرتال" لبدأ العمل . فقد رحلت قبل يومين من بدأ التصوير. قررت بعدها وقف العمل في المشروع و أخبرت شركة الإنتاج و المساهمين بأن الفيلم لم يعد بالإمكان تنفيذه. فقد كان اتفاقي مع بينا أن نقوم سوياً باخراج الفيلم و أن تكون معي ليس فقط أمام الكاميرا بل أيضاً خلفها. و بوفاتها لم أري معنى لمواصلة المشروع، إلي أن دعيت إلى مسرح فوبرتال لحضور ندوة تأبينها في سبتمبر ٢٠٠٩ و قابلت راقصي فرقتها الذين عملوا معي ،وأقنعوني بمواصلة العمل مذكرين أياي بأني و "بينا" قد تعاهدنا أثناء العمل أن نخلد بعملنا العروض لتبقى حية في العالم الأخر!  


الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

"الجلد الذي أعيش فيه" لألمادوفار.. بيجماليون الأندلسي!






الفيلم : الجلد الذي أعيش فية la piel que Habito
إخراج : بيدرو ألمادوفار Pedro Almodovar
إنتاج : 2011
بطولة : أنطونيو بانديراس Antonio Banderas
إلينا آنايا Elena Anaya
ماريسا بارديث Marisa Parede

جان كورنه Jan Cornet
موسيقي: ألبرتو إيجلاسياس Albert Iglesias
مهرجان كان السينمائي الدولي 2011 المسابقة الرسمية


تروي لنا الأساطير الإغريقية قصة نحات إغريقي بارع ،" بيجماليون" الذي صنع تمثالاً لإمرأة فائقة الجمال. فلما انتهى سر لها نظره مختلباً و هام قلبه بها حباً. فجاء "فينوس" راجياً على هيكل معبدها يدعوها أن تنفخ الروح في صنيعه، ففعلت، و دبت الحياة في تمثاله ليصير إمرأة فاتنه، عشقها و تزوجها
و في أحدث أفلام المخرج الأسباني " بدرو ألمادوقار " " الجلد الذي أعيش فيه " يصنع طبيب التجميل "روبرتو (أنطونيو بنداريس) قطعته الفنية الخاصة كذلك. "فيرا" ( إلينا آنايا)، و لكنه لا يصنعها من العاج كما في الأسطوره ، "ففيرا" الفاتنة متفجرة الأنوثه هي في الأصل شاب يدعي "فينسنت" (جان كورنه) اختطفه الطبيبب إنتقاماً منه لظنه أنه إغتصب إبنته المريضة ثم حوله رغمآً عنه إلى أنثى، على صورة زوجته التي ماتت متأثرة بجراحها بعد أن احترقت السيارة التي كانت قد قلتها هي و عشيقها!
مرة أخرى يأخذنا ألمادوفار إلي مناطقه الشائكة، شبكة معقدة لعلاقات إنسانية تتفكك في تفاعلها الهويات الثابتة و يتجرد في خضمها الإنسان من إرث العقلانية و بديهايات الأخلاق و الجنس، ليعاد تعريفة علي أسس غير معتاده ، يكمن منطقها في تنافيبها مع ما اعتدناه على أنه المنطق و ما اعتبرناه خلقي. يتجاوز " ألمادوفار" في فيلمه الأخير موضوعات العلاقات المثلية و المتحولين جنسياً، أو يسير بها إلى بعد جديد أكثر عمقا متسألاً عن جوهر الإنسان ذاته، عن ما يبقى منه إذا ما تبدلت هويته .
"روبرت" فنان عبقري كبيجماليون، ساحر لا يعرف طموحه حداً كفاوست ، و في الوقت نفسه إنسان معذب تطاردة ذكرى زوجته المحترقة ، تطاردة خيانته له مع أخوه الغير الشرعي، يطارده فشله في علاجها لما احترقت و ألآم إبنته التي ماتت إمها ممسوخة أمام عينيها ،فسقط عقلها فريسة للمرض. قرر "روبرت" أن يطلق لعبقريته العنان، أن يعيد خلق الزمان ليدور بأبطاله من جديد في فلكه الخاص و فوق مسرحه هو ، و هذه المرة من دون إخفاقات. فيعيد زوجته للحياة في صورة "فيرا" ، بل و يقتل عشيق زوجته على الفراش أثناء إغتصابه لفيرا ، فكأن القدر ينساق مجبراً و نادماً لرغبتة و عبقريته. و لكن نهاية
روبرت" ليست سعيدة كنهاية "بيجماليون " ، بل يتشابه مصيره
في النهاية و مصير "فراكنشتين" الطموح الذي حلم بأن يخلق إنساناً ،فخلق مسخآ قتل أخاه ثم تسبب في مقتله هو. "ففيرا/ فينست" تقتله إنتقاماً منه، رافضة الإنصياع لهويتها الأنثوية
الزائفة حتى لو كانت ستجعل منها أجمل نساء الأرض. ففيرا في نظر "فينست" ما هي إلا مسخاً له يبغضه في أعماقه حتي بعد أن قرر التعايش معه.
قصة قاسية، و تيمة ربما تصلح أساس لفيلم رعب، عبقرية السرد الألمادوفاري تجعل منها دراما لها عبق التراجيديا الإغريقية تضفي عليها موسيقي " ألبرتو إيجلاسياس" الرائعة هيبة إسطورية، أنزلها إستغراقها في التفاصيل من الأولب و أنسنتها نعومة الكاميرا التي بدت " أنثوية" في حركتها، و كادرات ثرية في تكويناتها و ألوانها، و ملابس صممها ملك الموضة الفرنسي " جون باول جوتيه" ، وامتصت الأجواء الأندلسية الحميمة التي إعتدنا عليها في كل أفلام ألمادوفار عنف الفكره. فالبرغم من عالمية ألمادوفار كواحد من أهم مخرجي السينما الأوروبية اليوم ، برغم عالمية موضوعاته، يبقي فيلمه أسبانيا في كل تفصيلات جمالياته.

الجمعة، 6 أغسطس 2010

"المغامرة "L'Avventura لأنتونيوني و محنة الضمير الأوروبي.



المغامرة L'Avventura
إنتاج : إيطاليا/فرنسا ١٩٦٠
إخراج : مايكل أنجلو أنتونيوني Michelangelo Antonioni
بطولة : مونيكا فيتي Monica Vitti - جبرايل فريتستي Gabriele Ferzetti - ليا مساري Lea Massari
جوائز : لجنة التحكيم الخاصة مهرجان كان ١٩٦٠







في أرقى أحياء روما، تودع "آنا"Anna أبيها أمام فيلتهم الفخمة قبل أن تسافر في رحلة بحرية بين الصخور شمال إيطاليا. وداع جاف، يشي بسوء العلاقة بين الطرفين و عدم تقبل الأب( الديبلوماسي الثري ) لتصرفات ابنته.
و فجأة تظهر "كلاوديا " Claudia صديقة " آنا" التي سوف ترافقها في رحلتها. و لكنهما يتوجهان أولا إلي Sandro صديق "آنا" الذي ينوي الزواج منها رغم أننا نلمح أيضا أن علاقتهما لا تخلو من التوترات من دون أن نعرف أسباب واضحة لذلك. تصعد " آنا " إلي بيت صديقها تترك صديقتها في الشارع ، تندفع في عناقه و تقبيله بينما تراقب "كلاوديها " صدفة ما يدور بينهما من شباك غرفته المفتوح.
ينطلق ثلاثتهم بصحبة أصدقاء اخرين جميعهم من الأثرياء في رحلة بحرية فوق أحد اليخوت، حيث نتعرف على مختلف الشخصيات بالفيلم. يتوقفون للإستراحة فوق أحد الجزر الصخرية و هناك يثار خلاف ما بين "ساندرو " و "آنا' على أثره تبلغه "آنا" أنها تريد البقاء وحدها، يغفو "ساندرو" قليلا و في المشهد التالي يصحو على المفاجأة التي أقلقلت الجميع .. لقد اختفت "آنا" و لا أحد يعرف أين و لا كيف، و يكون الفيلم هو رحلة البحث عنها حيث يقرر "ساندرو " و "كلاوديا" أن يتولا المهمة لنفاجىء بقصة الحب الغريبة النامية بينهم.

" المغامرة " هو أول أفلام الرباعية التي أخرجها "انتونيوني" و قامت ببطولتها عشيقته في ذلك الوقت الممثلة "مونيكا فيتي " Monica Vitti حيث تلاه بعد ذلك " الليل " la notte عام ١٩٦١ ثم "الخسوف " l'eclisse ١٩٦٢ ثم "الصحراء الحمراء " il deserto rotto عام ١٩٦٤.
و تمثل هذه الرباعية أهم مرحلة في حياة " أنتونيوني " الفنية. و هي التي صنعت مجده كمخرج صاحب بصمة و أسلوب مميز و رائد من رواد الواقعية الإيطاليه- و قد كان خير من مثلها في أنضج و أخر مراحلها - التي غيرت شكل السينما في العالم كله و فتحت عصرا جديدا ودع رومانتيكية الأربعينيات و الخمسينيات بقصصها الساذجة و عبراتها الأخلاقية.

و لا تتشابه أفلام الرباعية في عناصرها الفنية من طريقة حكي ثورية، غير تقليدية و مشاهد بانورمية تلعب فيها اللقطات الطويلة دورا محوريا.. من موسيقي " جيوفاني فوسكو " ( باستثناء فيلم "الليل ") التي افتتحت عصر "التويست " في إيطاليا و مونتاج "إيرالدو دي روما " Erado de Roma و أداء "مونيكا فيتي " الهادئ و المثير بلا تصنع أو دلال .. لا تتشابه الرباعية في كل ذلك فحسب بل يمتد التشابه إلي ما عالجته من موضوعات.
في رباعية " انتونيوني " نحن بصدد اسقاط علي حال المجتمع الأوروبي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و الشعور العام باليآس و القلق و انهيار القيم التي انتظم عليها المجتمع منذ عصر التنوير. أزمة الضمير التي عبرت عن نفسها في الأدب و الفلسفة و الفنون التشكيلية لذلك العصر و جاء دور السينما لتقول هي الأخري كلمتها.

الاغتراب، ضياع الأحلام الكبيره و اللامعنى ، تفكك العلاقات الإنسانية و الطعن في مصداقيتها.. "ثيمات" جوهرية تكون الأفلام الأربعة تنويعات لها. تلعب "مونيكا فيتي " شخصيات فتيات أربع، كل منهن تعيش في وسط منحل رغم تماسكه الظاهر، كل منهن يتصارعن و عالم من صنع الرجال محاولات فرض ذواتهن و إثبات وجودهن، و إن انهزمن فالهزائم موقتة و الأمل يبيقهن علي طريقهن صامدات غير مباليات بأعراف مجتمع قد تفسخت قيمه و انهارت أخلاقه. فالذي دفع "كلاوديا" الي التمادي في علاقتها مع عشيق صديقتها و مغالبة بقايا ضميرها هو لا مبالة وسطها بل و انحلاله.

الفيلم بعد فترة قصيرة من اختفاء " آنا " يتجاهلها تماما و تصبح رحلة البحث عنها شهر العسل لخائنيها العاشقين. و هو ما أثار تزمر جمهور مهرجان "كان " في العرض الأول. ثم أن أصدقاء "آنا" الذين كانوا معها فوق اليخت لم تعد تشغلهم قضية اختفائها بتاتا و عاد كل منهم إلي حياته كأنها لم تكن.

ربما كانت " آنا " كناية عن الضمير الغائب لهذا الوسط المنحل، فقد كانت الشخص الوحيد الرافض للحلول الوسط، لمسايرة الأوضاع و مرواغة المباديء وإنتهاز الفرص، بعكس أصدقاؤها اناس بلا مبادئ أو مواقف.
و الفيلم باستثناء حادث "إنا " ليس في أحداثه غموضا و أبطاله على طبيعتهم، عرايا النفوس لا يخبئون أسرارا، يخونون علي الملئ و لا يتحرجون. فصديقة "كلاوديا" تطلب منها أن تصحبها في أثناء زيارتها لأستوديو فني لمراهق في السابعه عشر بحجة أنها تخشى أن ينفرد بها و حين يقترب منها تتمادى في تقبيله ضاححة،ماجنة على مسمع و مرأي من "كلاوديا" التي تفاجئ بأن صديقتها تفتح لها الباب داعية إياها للخروج..

ثم أن علاقة "ساندرو" و "كلاوديا" تصير واضحة للعيان و مع ذلك يبقى أصدقائهم على لا مبالتهم و لا يدفع ذلك أحدا إلى النقد أو الاستنكار. "ساندرو" نفسه يعترف في أحد المشاهد بأنه سطحي، مستغل، بلا مبادئ ، يسير مع التيار أينما حل، ثم أن دموعه في نهاية الفيلم التي أرزفها ندما بعد أن تكشف "كلاوديا" خيانته له هي على الأرجح ليست الأولى و ربما لن تكون الأخيرة. صحيح أن الفيلم ينتهي و لكنه يترك فينا الشعور بأنه لن يتغير و أن خياناته ستستمر سواء "لكلاوديا" أو لغيرها. شخصيات الفيلم كلها باردة الشعور، تتعاطف و لكنها تمل من عواطفها سريعا و تعود إلى حيادها ولا مبالتها.

ابتدع " أنتونيوني " لغة سينمائية جديدة تأثرت بها بعد ذلك مختلف تيارات سينما المؤلف Auteurs في العالم ليس فقط على مستوي طريقة الحكي و لكن أيضا في جماليات تصميم الكادر و حركة الممثلين داخله Mise en scène حيث اللقطات الخارجية الطويلة داخل مساحات شاسعة تلعب فيها العمارة دورا رئيسيا في تشكيل خلفية المشهد. بالإضافة لاستخدام عناصر أخرى كالأشجار و الصخور، أو السماء الملبدة بالغيوم مثلا التي استغلها "انتونيوني " للإيحاء بالحالة النفسية لأبطاله. و لوحات الفيلم درس في كيفية تشكيل الكادرات و إثرائها بطاقات تعبيرية لا محدودة و هي تبرز مدى تأثر "أنتونيوني" بالفن التشكيلي و خاصا صديقه الفنان الإيطالي "جورجو دي كيريكو " Giorgio de Chirico و هو ما يشير إليه الكثير من النقاد باستمرار حين يكتبون عن أفلام "أنتونيني" في سنوات الستينيات و السبعينيات .