الأربعاء، 30 أبريل 2014

حتى نخرج للنهار .. هالة لطفي في دور العرض المصرية

حتى نخرج للنهار..

هالة لطفي في دور العرض المصرية


سنوات عديدة كان على السينما المصرية إنتظارها منذ إنفراجة ما يعرف بالسينما المستقلة في  أوائل القرن الحالي قبل أن يخرج فيلم في نضوج "الخروج للنهار" لهالة لطفي .. سنوات كانت إحباطاتها أكبر من إنجازتها وأكبر من كل الوعود بسينما جديدة، شابة، تخلص للفن وحدة، تترفع عن السوق ومتطلبات الإنتاج المؤسسي الربحي وتنفر من نمطية المواضيع والأشكال .. 
فمن بين محاولات أخلصت النية في تقديم الجديد وعازها فقر الموهبة أو هزالة الإنتاج، وأخرى ظن أصحابها أنهم أنبياء يحملون رسالة السينما الجديدة فلم تكشف أعمالهم غير سطحيتهم، و في ظل أوضاع معيشية وسياسية تزداد سوءاً وإضطراباً وتؤثر سلباً على كل أشكال الإنتاج الفني في مصر، تواضعت الأمال المنعقدة وتضائلت التوقعات والبشائر وبات الإنتظار عبثاً إلى أن آذنت هالة لطفي للنهار بالخروج بفيلم سيقف أمامه مؤرخي السينما المصرية في المستقبل طويلاً ..

 منذ الدقائق الأولى الفيلم ندرك أن لمخرجته لغة سينمائية شديدة الخصوصية، لغة رصانتها وبرود إيقاعها يجعلها غريبة على المشاهد العربي، بل ربما أوقعته في أزمة تلقي تؤول فيها كل توقعاته لمسار الدراما إلى لفشل، ويبقى الفيلم بلا حدث حقيقي، مخلصا لإيقاعه ولأسلوب مخرجته ..
 تمر الدقائق في رتابة حياة أبطال الفيلم الثلاثة، أب عاجز وأم قهرها القدر فاستلسمت له في قوة ورضا، وابنة ضائعة تعيش أحلامهاً في استيحاء، رغم قسوة الواقع وظلام المستقبل.. أبطال هالة لطفي إناساً في الظل، يعيشون خلف كواليس الثورات والإنقلابات ومسارح التوك الشو الهزلية، أناساً وجودهم على الهامش، تتكشف معاناته في دقة التفاصيل وبساطة الدراما، بعيداً عن النمطيات الصاخبة والشعارات الرنانة ..


ربما تسائل الجمهور الغربي الذي شاهد الفيلم وكان يعرف مصر بأهراماتها وبحرها الأحمر ثم بات يعرفها من صور التظاهرات وقتلى الميادين وقصص التحرش الجنسي، أين "الثورة" ؟، كيف يكون هناك فيلم مصري لا يكون موضوعه الثورة، القتلى، الإسلاميين، الكبت الفكري والجنسي، كيف لا تكون فيه "مصر" التي يعرفها من نشرات الاخبار وعنواين الصحف ؟ .. 
أعرف أن هالة لطفي لم تتعمد أن يخرج فيلمها ويسافر مهرجانات عديدة  في توقيت تهاتف فيه من يهتم بالسينما ومن لا يهتم بها علي كل ما هو مصري، ليس لأن لمصريته قيمة في ذاتها ولكن لأنه لكونه مصريا الأن فسيحتوي ولابد على مادة مثيرة لها سوق إعلامي مفتوح في الغرب، فيلم هالة لطفي يأتي ضد التيار، ضد إرادة الأسواق وحماس المهرجانات الزائف، يأتي ليثبت وجوده بالفن وحدة بلا إتجار بثورة أو خلافه، حتي الألم الذي تقطر به مشاهده يتعالى صدقه على مشاعر الرثاء ..


بعد طول انتظار يخرج نهار هالة لطفي في مصر، تفتح له دور العرض أبوابها ليثبت وجوده في بلده أيضاً وبالفن وحده، ،لا كفيلماً للمهرجانات أو هواة المراكز الثقافية، بل فيلما للجميع، لكل محب للسينما الجادة التي لا تعرف مصطلحات ك "المستقلة" أو "النظيفة" ولا تتكلم غير لغة الفن الجميل. فأرجو أن يكون الإقبال عليه بقدر رقة لغته وصدق مخرجته الموهوبة، أرجو أن يكون بشرى خير على الفن المصري، يخرج به ونخرج معه إلى النهار..

السبت، 9 يونيو 2012

فهرنهايت 451 لفرنسوا تروفو .. في رثاء راي برادبري



ف هرنهايت ٤٥١ Fahrenheit 451
١٩٦٦
إخراج : فرنسوا تروفو François Truffaut 

بـطولة : Oskar Werner
            Julie Christie
****

منذ ايام قليله رحل عن عالمنا الكاتب الامريكي راي برادبري  Ray Bradbury. برادبري هو بلاشك علامه من علامات الأدب الامريكي في  النصف الثاني من القرن العشرين، وتعود شهرته في الأساس إلى رواية الخيال العلمي"فهرنهايت٤٥١" والتي صدرت في عام ١٩٥٣ أيام المطاردات المكارثيه للأدباء والفنانين في أمريكا. ومنذ صدورها أحدثت الروايه دوياً هائلاً بين جمهور ونقاد الأدب،فقد أعيد طبعها عشرات المرات وترجمت إلى معظم لغات العالم (صدرت الترجمه العربيه عند دار الشروق المصريه عام ٢٠٠٧ وكتب برادبري مقدمة جديدة لروايته خاصة بهذه الطبعه)  لتصير إحدي كلاسيكيات الأدب العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين و إحدى أكثر  روايات الخيال العلمي رواجاً. وكغيرها من الروايات الناجحة قررت هوليود تحويلها إلى فيلماً سينيمائياً، أمالجديد في ذلك فكان إسناد مهمة إنجاز السيناريو للمخرج الفرنسي الشاب آن ذاك "فرنسوا تروفو"  ١٩٣٢-١٩٨٤ لتكون أول تجاربه الفنيه خارج فرنسا ، وفي أمريكا ، البلد التي لا يجيد لغتها الانجليزيه فحسب، بل تمثل أفلامها ومدارسها السينمائيه الإتجاه المعاكس لقيم الموجه الفرنسيه الجديدة nouvelle vague التي ينتمي إليها تروفو، والتي قامت في الأساس كثورة على أساليب سينما تقليدية محافظه ونقض قوالبها المعهودة ، أمريكية الصنع في العادة.

كان عرضاً كهذا هو في الحقيقة نصر لتروفو وللسينما الفرنسيه البديلة التي بدأ صدى ثورتها يأخذ طريقه للولايات المتحدة في منتصف الستينات ثم صار أعلامها ، شابرول وجودار وتروفوا وغيرهم ملهمي جيل السبعينيات من مجددي هوليود أمثال سكورسيزي وسدني لومت.

كان اسم تروفو قد صار معروفاً في الأوساط الأمريكية ، ففيلمه الطويل الأول blows 400 قد نال استحساناً كبيراً حين عرض هناك، كما رشح لجائزة الأوسكار.وقد سبق تروفو زميله جودار الذي دعي هو الأخر  إلى أمريكا عام ١٩٧٠ لإنجاز فيلما لم يتم ، بينما أنجز تروفو فيلمه الذي نال كذلك حظا لا بأس به من النجاح في أمريكا وفرنسا. صحيح أن تروفو لم يكرر التجربه ولكنه على الأقل قد عاد مرة أخرى إلى هوليوود كممثلا في فيلم ستيفن سبيلبرج close encounters of the third kind عام ١٩٧٧. فرغم الجديد الذي جاء به تروفو، إلا أن سينماه بقت في إطارها العام مخلصة للقصة ولم تخض تجارب راديكلية في السرد أو في جماليات الصورة كما هو الحال مع سينما جودار الذي فشل في التأقلم مع الاسلوب الأمريكي.

****

تدور احداث فهرنهايت ٤٥١ في المستقبل ، في بلد مجهول تحكمه قوة فاشيه غاشمه ، مواطنوه بلا شخصيه ولا إنسانيه، مسامير في جهاز الدولة الجبار ، يحتكمون بأمره و يسيرون بلا وعي في فلكه، أفكارهم هي مايمليه عليهم جهازه الإعلامي ، تلفزيونات بعرض حوائط المنازل تعرض مسلسلات تفاعيله  لا تزيد مشاهديها إلا بلاهة، هذا غير جريدة رسميه ليس بها حرف واحد ، فقط صور ملونة لا تأخذ فكر  متصفحها أبعد من الحدود المرسومة ، فالفكر في هذا الزمان هو عدو البشرية الأول وأكبر ما يهدد الاستقرار ، لذلك خصصت الدولة جهاز إطفاء لنور الفكر ،مهمته حرق ماتبقى من الكتب. يبدأ الفيلم بمشهد سيارة إطفاء عجيبة تضم رجالاً حازميين بملابس سوداء وأنابيب إشعال حرائق وقد قاموا بمهاجمة بيتاً خبئت فيه عدد من الكتب الممنوعةـ كل الكتب ممنوعة. جاي مونتاج هو إحدى مشعلوا الحرائق العاملين في هذا الجهاز العجيب، وهو رغم إيمانه بعمله ورسالته لا يستطيع أن يشعر بالسعادة ، صدفة يقابل كلاريس ، فتاة لا تتوقف عن إلقاء أسئلة غير معتادة عن جدوى حرق الكتب، عن ما قد تخبأه في جعبتها الكتب، وعن السعادة المفقودة. تدفع أسئلتها الغريبة  مونتاج للتفكير فيتجرأ ويحتفظ سراً ببعض الكتب التي عليه أن يحرقها، ثم يبدأ في قراءتها وتتبدى له فاشية فعل حرق الكتب فيقرر إنقاذ قومه من ضلالهم ومعاقبه الجناة من مشعلي الحرائق أبناء مهنته بأن يخبىء الكتب في بيوتهم ثم يبلغ عنهم فتحترق النيران في بيوت مشعليها، إلا أن زوجته تبلغ عنه قبل أن يشرع في خطته، و إذ بزملاءه من مشعلي الحرائق قد هاجموا بيته ويأمره قائده بأن يخرج الكتب من مخابئها ويحرقها، فيحرق مونتاج أول ما يحرق حوائط المسلاسات التلفزيونيه ثم يحرق قائده ورجاله ويفر هارباً، فتقوده قدماه إلى ضاحيه بأطراف المدينة الظالمة سكانها يهبون حياتهم للكتب، فيحفظ كل منهم كتابا عن ظهر قلب، يحمله في قلبه وفوق لسانه ويعلمه لغيره، فيكون أحدهم إلياذه هوميروس وأخر كوميديا دانتي وثالث هاملت شيكسبير وهكذا، وينتهي الفيلم بمشهد يعده المخرج الألماني فيم فندرس من أفضل المشاهد في تاريخ السينما حيث يتلوا كل واحد منهم شيئا مما حفظه فتتداخل الكلمات واللغات، وتحيا الكتب فيهم ومعهم.

****

حاول تروفو أن يصنع فيلماً واقعيًا و أن يبتعد عن التفاصيل المستقبليه futuristic التي تحتشد بها الرواية ، فكانت ديكورات الفيلم في غايه البساطة ، تحمل بلاشك ملامح مستقبلية ولكنها تبقى محدودة، مسرحية ، بلا إبهار حقيقي وهو ماتعمده تروفو ، وما في سبيله قد استغتى عن تفاصيل وردت في الرواية كالكلب الألي المرافق لرجال الإطفاء، هذه التفاصيل نفسها هي التي قد تجعل من الرواية اليوم إذا مافكر أحدهم في إخراجها مرة أخرى للسينما مادة غنية للخيال الهوليودي ولفناني  ال3D وفنون الجرافيكس المختلفه، ولكن تروفو أراد لفيلمه شيئاً أخر، أراد أن يسرده سرداً واقعياً غير متكلف، أن تبقى الكتب ومأساتها المحور الرئيسي التي تدور حوله الأحداث، وتبقى التفاصيل الأخرى جانبية عادية، فرأينا مشهد احتراق الكتب يتكرر أكثر من مرة، ويطول أحياناً إلى حد مبالغ فيه، لقطات طويلة متكررة للكتب وعنوانيها  البارزة وهي تحترق( كما كانت الكتب وعنواينها مكونات أساسية في العديد من المشاهد بأفلام جان لوك جودار)، ومن بينها كتب فرنسية يفضلها تروفو نفسه بل أعداداً من كراسة السينما cahiers du cinema التى تعد بمثابة انجيل الموجة الفرنسية الجديدة. وقد قال تروفو نفسه عن الفيلم أنه كان تعبيراً عن حبه الشخصي للكتب، و أنه قد قدم الكتب كشخصيات في الفيلم.
رغم أن الفيلم هو المفضل لدى تروفو نفسه من بين جميع أفلامه، فأنه يبقى للأسف أقل مستوى من معظم أفلام تروفو الأخرى. فبالفيلم نبرة أخلاقية عالية وحملاً فكرياً لا طاقة للصورة به، كما أن الصورة التي خرجت عليها سيارة الإطفاء مثلاً أو شاشات الحوائط التلفزيونية كانت للأسف محبطة، بل أقرب إلى الهزليه وهي أسباب وجيه لتحفظ برادبري إزاء الفيلم.أن تروفو  لم يكن يوماً أستاذاً في التقنية والتقطيع الجيد، أستاذيته تكمن في بساطته، في قدرته على سرد قصص عن أشياء صغيرة، في صنع أبطالاً عاديين يحبون، يفرحون، يحزنون ويموتون،وجودهم الصرف هو شاغلهم ولا طاقة لهم بهموم العالم الفلسفية والسياسية. رواية كفهرانهايت ٤٥١ كانت بحاجة إلى أستاذ من نوع أخر!




الجمعة، 6 يناير 2012

حوار مع " فيم فندرس" حول "بينا".





الفيلم : بينا Pina
إنتاج : 2011
إخراج : فيم فندرس Wim Wenders
جائزة أفضل فيلم تسجيلي في مهرجان الفيلم الأوروبي 2011



هو بلا شك واحد من أهم الأفلام التي قدمتها السينما في عام  ٢٠١١ . " بينا" Pina رثاء المخرج الألماني الكبير "فيم فندرس" لسيدة الرقص المسرحي الحديث الأولى في كل العالم "بينا باوش" التي رحلت في عام ٢٠٠٩ ، أثناء جلسات التحضير للفيلم الذي كان يعده معها منذ سنوات عديدة و شاء القدر أن ترحل قبل أن تدور كاميرته. في هذا الحوار مع إذاعة بافاريا الألمانيه يتحدث "فيندرس" عن فيلمه، عن علاقته ببينا و دوافعه من وراء هذا الفيلم. 

- كيف تتذكر المرة الأولى التي رأيت فيها مصممة رقصات القرن "بينا باوش" ؟

 إلتقيتها شخصيا لأول مرة في فينيسا. و بصراحة  قبل ذلك لم أكن قد سمعت عنها كثيراً . فبين عامي ١٩٧٧ و ١٩٨٤ كنت أعيش في أمريكا و كانت هذا سنوات صعود نجمها في أوربا. و لكن صديقتي في ذلك الوقت كانت تعرفها جيداً ، بل و كانت من أشد المعجبات بها و شاهدت عروضها أكتر من مرة في فرنسا حتي أقنعتني أنا الأخر بأن أفعل. و هكذا شاهدت عروضها لأول مرة عام ١٩٨٥. شاهدت "طقوس الربيع" و " كافيه مولر" و تأثرت بشدة.

- و متى جأتك فكرة تقديم فيلم عنها أو معها ؟

بعد أول لقاء شخصي لي بها مباشرة. جاء هذا اللقاء بعد أن كنت قد رأيت عدد من عروضها حيث كانت تكرم في فينسيا. منذ اللقاء الأول تفاهمنا جيدا و سألتاها مباشرة عن رأيها في أن يحمعنا عمل ما سويا في المستقبل، و لكنها لم تجب، واصلت سحب الدخان من سيجارتها و تركتني بلا كلمة تعليق واحدة.  و بعدها بسنوات عديدة زعربت لي اللقاء أنها بالفعل مهتمة بأن تعمل معي هي و فرقتها "مسرج فوبرتال الراقص".

- و هل كنت تخطط لفيلم روائي أم تسجيلي ؟

فكرة الفيلم الروائي لم تروادني مطلقا. الذي بهرني في "بينا باوش" و فرقتها المسرحية كان منذ البداية فنها، فنها هو بالتحديد ما أردت أن أرصده و أنقل سحره على الشاشة، أنقل حضور الجسد و سطوته التي تخطف المشاهد و تشركه في عالمه، شراكه تختلف عن تلك التي نشعر بها في حفل "روك " صاخب، في المسرح، في الأوبرا أو حتي في السينما. بعد سنوات من معرفتي ب"بينا" و مشاهدتي لها بدأت أفهم سر سحر عالمها. أنها مقدرتها الفذة في تأمل الجسد، في الفهم الدقيق للغته و أعماقه.  ببساطه لقد كان بمقدورها قراءة البشر. 


ـ و لماذا تأخر هذا المشروع كل هذا الوقت ؟

"بينا" نفسها سألتني عدة مرات لماذا لا نشرع أخيرا في بدأ العمل سوياً، فاعترفت لها أنني لم استطع بعد  الإستقرار على صيغة ملائمة للتعبير سينمائيا عن فنها، فرغم طول انشغالي بالمشروع عجزت أن أجد الشكل المناسب  الذي يعبر عن ما أشعره و ينقل للمشاهد هذا الأحساس بالجسد. ثم كان الحل تقنيه ال3D 
و رغم أن المؤثرات البصرية المجسمة مازالت بدائية، فقد عرفت علي الأقل أخيرآً كيف يمكنني إستيعاب عبقرية مسرح بينا الراقص و التعبير عنه بصرياً بشكل يرضيني. التقنية الثلاثية ساعدتني أن أقتحم المكان من داخله و أعيد اكتشاف طاقاته. و رغم  عدم رضائي عن الجودة التقنية و لكنني متأكد أنها  ستتحسن مع الوقت.

- هل تحرص في عملك السينمائي على متابعة التقدم التقني و استخدام ما يتيحة من أدوات جديدة ؟ فقد صورت "بينا" و هو فيلم ينتمي بامتياز لسينما " المؤلف" Autorenfilm بأسلوب ال 3D الذي صور به Avatar لجيمس كاميرون . و قبلها صورت فيلمك Buena Vista Social Club  بكاميرا ديجيتال. بل لقد بدأت مبكرآ جدا يأخذ صوراً فوتوغرافية باستخدام كاميرا 3D كذلك.

حينما استخدم تقنية ما فالسبب يكون أنها تساعدني على تحقيق رؤيتي و ليس  لقيمتها في ذاتها. في التسعينيات كاد الفيلم التسجيلي أن يموت نتيجة إرتفاع تكاليف تصويره بالفيلم السينمائي العادي. ثم جائت الكاميرات الديجيتال لتنقذ الموقف بسعرها الرخيص نسبياً و سهولة تنقلها و قد شاهدنا كيف تطور الفيلم التسجيلي بعد استخدام تقنيات الديجيتال بشكل كبير في السنوات الأخيرة. و لكن في النهاية علي القول أنني لا أستسيغ تقنية ال 3D بصرياً، ربما تتيح هذة التقنية مستقبلاً إمكانيات جديدة و بالتأكيد سوف تتطور جودتها.

- كيف كان وقع موت " بينا باوش" المفاجىء في صيف ٢٠٠٩ عليك و كيف كان أثره على مشروع الفيلم ؟ 

سمعت بخبر وفاة بينا و أنا في مكتبي في برلين حيث كنا نجهز لنقل المعدات إلي "فوبرتال" لبدأ العمل . فقد رحلت قبل يومين من بدأ التصوير. قررت بعدها وقف العمل في المشروع و أخبرت شركة الإنتاج و المساهمين بأن الفيلم لم يعد بالإمكان تنفيذه. فقد كان اتفاقي مع بينا أن نقوم سوياً باخراج الفيلم و أن تكون معي ليس فقط أمام الكاميرا بل أيضاً خلفها. و بوفاتها لم أري معنى لمواصلة المشروع، إلي أن دعيت إلى مسرح فوبرتال لحضور ندوة تأبينها في سبتمبر ٢٠٠٩ و قابلت راقصي فرقتها الذين عملوا معي ،وأقنعوني بمواصلة العمل مذكرين أياي بأني و "بينا" قد تعاهدنا أثناء العمل أن نخلد بعملنا العروض لتبقى حية في العالم الأخر!  


الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

"الجلد الذي أعيش فيه" لألمادوفار.. بيجماليون الأندلسي!






الفيلم : الجلد الذي أعيش فية la piel que Habito
إخراج : بيدرو ألمادوفار Pedro Almodovar
إنتاج : 2011
بطولة : أنطونيو بانديراس Antonio Banderas
إلينا آنايا Elena Anaya
ماريسا بارديث Marisa Parede

جان كورنه Jan Cornet
موسيقي: ألبرتو إيجلاسياس Albert Iglesias
مهرجان كان السينمائي الدولي 2011 المسابقة الرسمية


تروي لنا الأساطير الإغريقية قصة نحات إغريقي بارع ،" بيجماليون" الذي صنع تمثالاً لإمرأة فائقة الجمال. فلما انتهى سر لها نظره مختلباً و هام قلبه بها حباً. فجاء "فينوس" راجياً على هيكل معبدها يدعوها أن تنفخ الروح في صنيعه، ففعلت، و دبت الحياة في تمثاله ليصير إمرأة فاتنه، عشقها و تزوجها
و في أحدث أفلام المخرج الأسباني " بدرو ألمادوقار " " الجلد الذي أعيش فيه " يصنع طبيب التجميل "روبرتو (أنطونيو بنداريس) قطعته الفنية الخاصة كذلك. "فيرا" ( إلينا آنايا)، و لكنه لا يصنعها من العاج كما في الأسطوره ، "ففيرا" الفاتنة متفجرة الأنوثه هي في الأصل شاب يدعي "فينسنت" (جان كورنه) اختطفه الطبيبب إنتقاماً منه لظنه أنه إغتصب إبنته المريضة ثم حوله رغمآً عنه إلى أنثى، على صورة زوجته التي ماتت متأثرة بجراحها بعد أن احترقت السيارة التي كانت قد قلتها هي و عشيقها!
مرة أخرى يأخذنا ألمادوفار إلي مناطقه الشائكة، شبكة معقدة لعلاقات إنسانية تتفكك في تفاعلها الهويات الثابتة و يتجرد في خضمها الإنسان من إرث العقلانية و بديهايات الأخلاق و الجنس، ليعاد تعريفة علي أسس غير معتاده ، يكمن منطقها في تنافيبها مع ما اعتدناه على أنه المنطق و ما اعتبرناه خلقي. يتجاوز " ألمادوفار" في فيلمه الأخير موضوعات العلاقات المثلية و المتحولين جنسياً، أو يسير بها إلى بعد جديد أكثر عمقا متسألاً عن جوهر الإنسان ذاته، عن ما يبقى منه إذا ما تبدلت هويته .
"روبرت" فنان عبقري كبيجماليون، ساحر لا يعرف طموحه حداً كفاوست ، و في الوقت نفسه إنسان معذب تطاردة ذكرى زوجته المحترقة ، تطاردة خيانته له مع أخوه الغير الشرعي، يطارده فشله في علاجها لما احترقت و ألآم إبنته التي ماتت إمها ممسوخة أمام عينيها ،فسقط عقلها فريسة للمرض. قرر "روبرت" أن يطلق لعبقريته العنان، أن يعيد خلق الزمان ليدور بأبطاله من جديد في فلكه الخاص و فوق مسرحه هو ، و هذه المرة من دون إخفاقات. فيعيد زوجته للحياة في صورة "فيرا" ، بل و يقتل عشيق زوجته على الفراش أثناء إغتصابه لفيرا ، فكأن القدر ينساق مجبراً و نادماً لرغبتة و عبقريته. و لكن نهاية
روبرت" ليست سعيدة كنهاية "بيجماليون " ، بل يتشابه مصيره
في النهاية و مصير "فراكنشتين" الطموح الذي حلم بأن يخلق إنساناً ،فخلق مسخآ قتل أخاه ثم تسبب في مقتله هو. "ففيرا/ فينست" تقتله إنتقاماً منه، رافضة الإنصياع لهويتها الأنثوية
الزائفة حتى لو كانت ستجعل منها أجمل نساء الأرض. ففيرا في نظر "فينست" ما هي إلا مسخاً له يبغضه في أعماقه حتي بعد أن قرر التعايش معه.
قصة قاسية، و تيمة ربما تصلح أساس لفيلم رعب، عبقرية السرد الألمادوفاري تجعل منها دراما لها عبق التراجيديا الإغريقية تضفي عليها موسيقي " ألبرتو إيجلاسياس" الرائعة هيبة إسطورية، أنزلها إستغراقها في التفاصيل من الأولب و أنسنتها نعومة الكاميرا التي بدت " أنثوية" في حركتها، و كادرات ثرية في تكويناتها و ألوانها، و ملابس صممها ملك الموضة الفرنسي " جون باول جوتيه" ، وامتصت الأجواء الأندلسية الحميمة التي إعتدنا عليها في كل أفلام ألمادوفار عنف الفكره. فالبرغم من عالمية ألمادوفار كواحد من أهم مخرجي السينما الأوروبية اليوم ، برغم عالمية موضوعاته، يبقي فيلمه أسبانيا في كل تفصيلات جمالياته.

الجمعة، 6 أغسطس 2010

"المغامرة "L'Avventura لأنتونيوني و محنة الضمير الأوروبي.



المغامرة L'Avventura
إنتاج : إيطاليا/فرنسا ١٩٦٠
إخراج : مايكل أنجلو أنتونيوني Michelangelo Antonioni
بطولة : مونيكا فيتي Monica Vitti - جبرايل فريتستي Gabriele Ferzetti - ليا مساري Lea Massari
جوائز : لجنة التحكيم الخاصة مهرجان كان ١٩٦٠







في أرقى أحياء روما، تودع "آنا"Anna أبيها أمام فيلتهم الفخمة قبل أن تسافر في رحلة بحرية بين الصخور شمال إيطاليا. وداع جاف، يشي بسوء العلاقة بين الطرفين و عدم تقبل الأب( الديبلوماسي الثري ) لتصرفات ابنته.
و فجأة تظهر "كلاوديا " Claudia صديقة " آنا" التي سوف ترافقها في رحلتها. و لكنهما يتوجهان أولا إلي Sandro صديق "آنا" الذي ينوي الزواج منها رغم أننا نلمح أيضا أن علاقتهما لا تخلو من التوترات من دون أن نعرف أسباب واضحة لذلك. تصعد " آنا " إلي بيت صديقها تترك صديقتها في الشارع ، تندفع في عناقه و تقبيله بينما تراقب "كلاوديها " صدفة ما يدور بينهما من شباك غرفته المفتوح.
ينطلق ثلاثتهم بصحبة أصدقاء اخرين جميعهم من الأثرياء في رحلة بحرية فوق أحد اليخوت، حيث نتعرف على مختلف الشخصيات بالفيلم. يتوقفون للإستراحة فوق أحد الجزر الصخرية و هناك يثار خلاف ما بين "ساندرو " و "آنا' على أثره تبلغه "آنا" أنها تريد البقاء وحدها، يغفو "ساندرو" قليلا و في المشهد التالي يصحو على المفاجأة التي أقلقلت الجميع .. لقد اختفت "آنا" و لا أحد يعرف أين و لا كيف، و يكون الفيلم هو رحلة البحث عنها حيث يقرر "ساندرو " و "كلاوديا" أن يتولا المهمة لنفاجىء بقصة الحب الغريبة النامية بينهم.

" المغامرة " هو أول أفلام الرباعية التي أخرجها "انتونيوني" و قامت ببطولتها عشيقته في ذلك الوقت الممثلة "مونيكا فيتي " Monica Vitti حيث تلاه بعد ذلك " الليل " la notte عام ١٩٦١ ثم "الخسوف " l'eclisse ١٩٦٢ ثم "الصحراء الحمراء " il deserto rotto عام ١٩٦٤.
و تمثل هذه الرباعية أهم مرحلة في حياة " أنتونيوني " الفنية. و هي التي صنعت مجده كمخرج صاحب بصمة و أسلوب مميز و رائد من رواد الواقعية الإيطاليه- و قد كان خير من مثلها في أنضج و أخر مراحلها - التي غيرت شكل السينما في العالم كله و فتحت عصرا جديدا ودع رومانتيكية الأربعينيات و الخمسينيات بقصصها الساذجة و عبراتها الأخلاقية.

و لا تتشابه أفلام الرباعية في عناصرها الفنية من طريقة حكي ثورية، غير تقليدية و مشاهد بانورمية تلعب فيها اللقطات الطويلة دورا محوريا.. من موسيقي " جيوفاني فوسكو " ( باستثناء فيلم "الليل ") التي افتتحت عصر "التويست " في إيطاليا و مونتاج "إيرالدو دي روما " Erado de Roma و أداء "مونيكا فيتي " الهادئ و المثير بلا تصنع أو دلال .. لا تتشابه الرباعية في كل ذلك فحسب بل يمتد التشابه إلي ما عالجته من موضوعات.
في رباعية " انتونيوني " نحن بصدد اسقاط علي حال المجتمع الأوروبي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و الشعور العام باليآس و القلق و انهيار القيم التي انتظم عليها المجتمع منذ عصر التنوير. أزمة الضمير التي عبرت عن نفسها في الأدب و الفلسفة و الفنون التشكيلية لذلك العصر و جاء دور السينما لتقول هي الأخري كلمتها.

الاغتراب، ضياع الأحلام الكبيره و اللامعنى ، تفكك العلاقات الإنسانية و الطعن في مصداقيتها.. "ثيمات" جوهرية تكون الأفلام الأربعة تنويعات لها. تلعب "مونيكا فيتي " شخصيات فتيات أربع، كل منهن تعيش في وسط منحل رغم تماسكه الظاهر، كل منهن يتصارعن و عالم من صنع الرجال محاولات فرض ذواتهن و إثبات وجودهن، و إن انهزمن فالهزائم موقتة و الأمل يبيقهن علي طريقهن صامدات غير مباليات بأعراف مجتمع قد تفسخت قيمه و انهارت أخلاقه. فالذي دفع "كلاوديا" الي التمادي في علاقتها مع عشيق صديقتها و مغالبة بقايا ضميرها هو لا مبالة وسطها بل و انحلاله.

الفيلم بعد فترة قصيرة من اختفاء " آنا " يتجاهلها تماما و تصبح رحلة البحث عنها شهر العسل لخائنيها العاشقين. و هو ما أثار تزمر جمهور مهرجان "كان " في العرض الأول. ثم أن أصدقاء "آنا" الذين كانوا معها فوق اليخت لم تعد تشغلهم قضية اختفائها بتاتا و عاد كل منهم إلي حياته كأنها لم تكن.

ربما كانت " آنا " كناية عن الضمير الغائب لهذا الوسط المنحل، فقد كانت الشخص الوحيد الرافض للحلول الوسط، لمسايرة الأوضاع و مرواغة المباديء وإنتهاز الفرص، بعكس أصدقاؤها اناس بلا مبادئ أو مواقف.
و الفيلم باستثناء حادث "إنا " ليس في أحداثه غموضا و أبطاله على طبيعتهم، عرايا النفوس لا يخبئون أسرارا، يخونون علي الملئ و لا يتحرجون. فصديقة "كلاوديا" تطلب منها أن تصحبها في أثناء زيارتها لأستوديو فني لمراهق في السابعه عشر بحجة أنها تخشى أن ينفرد بها و حين يقترب منها تتمادى في تقبيله ضاححة،ماجنة على مسمع و مرأي من "كلاوديا" التي تفاجئ بأن صديقتها تفتح لها الباب داعية إياها للخروج..

ثم أن علاقة "ساندرو" و "كلاوديا" تصير واضحة للعيان و مع ذلك يبقى أصدقائهم على لا مبالتهم و لا يدفع ذلك أحدا إلى النقد أو الاستنكار. "ساندرو" نفسه يعترف في أحد المشاهد بأنه سطحي، مستغل، بلا مبادئ ، يسير مع التيار أينما حل، ثم أن دموعه في نهاية الفيلم التي أرزفها ندما بعد أن تكشف "كلاوديا" خيانته له هي على الأرجح ليست الأولى و ربما لن تكون الأخيرة. صحيح أن الفيلم ينتهي و لكنه يترك فينا الشعور بأنه لن يتغير و أن خياناته ستستمر سواء "لكلاوديا" أو لغيرها. شخصيات الفيلم كلها باردة الشعور، تتعاطف و لكنها تمل من عواطفها سريعا و تعود إلى حيادها ولا مبالتها.

ابتدع " أنتونيوني " لغة سينمائية جديدة تأثرت بها بعد ذلك مختلف تيارات سينما المؤلف Auteurs في العالم ليس فقط على مستوي طريقة الحكي و لكن أيضا في جماليات تصميم الكادر و حركة الممثلين داخله Mise en scène حيث اللقطات الخارجية الطويلة داخل مساحات شاسعة تلعب فيها العمارة دورا رئيسيا في تشكيل خلفية المشهد. بالإضافة لاستخدام عناصر أخرى كالأشجار و الصخور، أو السماء الملبدة بالغيوم مثلا التي استغلها "انتونيوني " للإيحاء بالحالة النفسية لأبطاله. و لوحات الفيلم درس في كيفية تشكيل الكادرات و إثرائها بطاقات تعبيرية لا محدودة و هي تبرز مدى تأثر "أنتونيوني" بالفن التشكيلي و خاصا صديقه الفنان الإيطالي "جورجو دي كيريكو " Giorgio de Chirico و هو ما يشير إليه الكثير من النقاد باستمرار حين يكتبون عن أفلام "أنتونيني" في سنوات الستينيات و السبعينيات .



الخميس، 29 يوليو 2010

" ليلة الإفتتاح " أو Opening Night لجون كسافيتاس : حتي النجوم تشيخ !



Opening Night
إنتاج : ١٩٧٧- الولايات المتحدة الأمريكية
إخراج : جون كسافيتس
بطولة : جينا رونالدز - بن جازارا Ben Gazzara - جون كسافيتاس - جوين بلونديل Joan Blondell
الجوائز : الدب الفضي في مهرجان برلين ١٩٧٧ أحسن ممثلة
مدة الفيلم : ١٤٤ دقيقة







في عام ١٩٧٤ قدم " جون كسافيتس " John Cassavetas فيلمه الشهير " إمرآة تحت ضغط " A woman under Influence من بطولة زوجته في ذلك الوقت النجمة " جينا رونالدز " Gena Rownlads التي لعبت فيه أفضل أدوراها، عن المعاناة النفسية لإمرآة و أم في منتصف العمر تتصاعد أزمتها لتلقي بها إلي حافة الجنون. و هو من أفضل الأفلام في تاريخ السينما رغم أنه لم يلقى من النقاد العناية التي يستحقها. و بعد نجاح التجربة كان موعدنا مع الفيلم التالي الذي كتبه "كسافيتاس " كذلك و منح دور البطولة لنجمته المتألقة "رونالدز " و تكون قصة "Opening Night " أيضا عن إمرآة معذبة، و لكن عذابها هذه المرة ليس جنونا،إنما أزمة منتصف العمر أو ما يسمى بسن اليآس و هواجسه التي لا ترحم أي أمرآة تبلغه. فما بالنا بنجمة ، عاشت في الأضواء و بالأضواء و اعتادت تصفيق الجمهور و وولهه بها .. ما بالنا بمخاوف انحسار الشهرة و انسحاب بساط النجاح ؟!

بطلتنا هي " ميرتل جوردون " نجمة مسرحية مرموقة، شقراء لا تفارق السيجارة و الكأس و لا نظارتها ذات العيون الكبيرة السوداء، حالة تشبه نجمات الأبيض و الأسود أو نجمات الأوبرا أو المسرح الأسطوريات. و يبدو لنا من اللحظات الأولى أنها تتمتع بقمة النجاح والشهرة. فجمهورها ألوفا مؤلفة تهتف إعجابا بها و تتدافع لنيل توقيع منها.
و بعد نهاية إحدي عروضها تغادر المسرح لتتناول العشاء مع فريق العمل فتندفع تجاه سيارتها إحدي المعجبات المتيمات بها، فتاة صغيرة لا نرى ملامحها بوضوح و لكننا نعرف أنها في السابعة عشر من عمرها .. " أحبك .. أحبك .. أنا متيمة بك " تهتف بها في حالة شبه هيسترية قبل أن تدهمها سيارة مسرعة و ترديها قتيلة ( بداية شبيها ببداية فيلم " كل شيء عن أمي " Todo sobre mi madra لألمادوفار ).
و تكون هذه الحادثة هي القشة التي قسمت ظهر البعير. فعلى أثرها تبدأ أزمة "ميرتل " مع نفسها و مهنتها كممثلة و مع دورها في المسرحية التي تلعبها مؤخرا، دور إمرآة في نهاية عقدها الرابع( كانت"جينا رونالدز" وقتها في ال٤٧ من عمرها ) يرعبها الزمن الزاحف عليها مسرعا و يؤلمها فشلها في الحب و مصير إمرآة وحيدة علي موعد مع الذبول بلا عشيق و لا أسرة. لا تستطيع "ميرتل " أن تجد سبيلا لتمثل دورها علي وجه مرضي ، تطاردها الهواجس و يختلط الوهم بالحقيقة ، تعذبها شخصيتها الجديدة فلا تستطيع التفريق بين دورها فوق المسرح و دورها في الحياة ، لا تستطيع أن تتعرف على نفسها، و هو أمر ليس باليسير على من قضي عمره يلعب أدورا ليست له.

في إحدي البروفات يكون من المفروض أن تتلقى " ميرتل " صفعة، فتسقط علي أثرها أرضا و تصرخ في ألم و يصفق المنتج في البداية بعد أن أوحى له الأمر في بدايته أن "ميرتل" قد اندمجت في دورها و أدت اللحظة الدرامية في إجادة تامة. و لكن يتضح بعد ذلك أن ميرتل فقدت في هذه اللحظة السيطرة علي نفسها و أن الصفعة - التي لم تكن جادة و لا مؤلمة - قد هوت بها فانهارت فوق الأرض و انهار معها الحاجز الفاصل بين شخصيتها و بين "فرجينيا" التي تلعبها.
و في حوار تلا ذلك الحادث تحاول المؤلفة أن تشرح الشخصية لميرتل لتساعدها علي أدائها ..
- " آنها مثلي و مثلك .. أمرآة تريد أن تحب و لكن الوقت قد تأخر .. لابد و إنك تعرفين هذا الشعور جيدا ... ميرتل .. قولي لي كم عمرك ؟! ".

لا تستلم "مرتل " لتساؤل المخرجة الخبيث و ملا حظتها الذكية .. و لا تجيب .. لا تجيب هذا السؤال رغم تكراره طوال الفيلم ، رافضه الإعتراف بالزمن و الإستسلام و رافضه الإندماج في شخصية تضعها في مواجهة مع نفسها و أداء نصا يكشف لها قسوة الحقيقة، و قبل أن يسلب منها الدور قناعتها تعاتب المؤلفة في مقاومة من يعرف أنه قد سقط و تسألها " ... "و ماذا عن الأمل ؟! ".

يتصاعد الصراع داخل "ميرتل " و يزداد ألمها و يتجسد لها شبابها الفائت في صورة الفتاة المقتولة، فتطاردها كابوسا يعذبها في يقظتها، يؤنبها و يجبرها على مواجهة حقيقة قطار العمر المقبل مسرعا مهددا مستقبلها كفنانة و كإنسانة لم تعيش عاطفتها كأمرآة و لم تعرف الحب الحقيقي ، و جاء إدراكها لذلك متأخرا أو في الوقت الضائع.

و إذا كانت "ثيمة" " إمرآة تحت ضغط " هي عذاب "مابل" التي فقدت الخيط بين العقل و الجنون و صارت ضائعة بين العالمين،لا راحة لها في أيي منهما. فإن إضطراب "مارتل" النفسي هنا ، مؤقت، عارض، أو هي علي الأقل تعتبره كذلك و تعلله بصعوبة الدور و الظروف الصعبة التي مرت بها بعد مقتل الفتاة. و هي و إن حافظت علي هذا الخيط فقد فقدت خيطا أخر ، ألا و هو ذلك الذي يفصل الواقع و الخيال، الحياة و المسرح ، "مرتل" و "فرجينيا" . إن الفيلم هو قصة محنتها حين اختلطت عليها الصور و اتحد العالمين، حين قفدت المقدرة علي التمييز بينهما و استرداد ذاتها.

استطاعت حركات الكاميرا القلقة التي تعطيك الشعور و للوهلة الأولي أنها تتحرك بإرتجالية طليقة و لكنها بليغة، أن تنقل لنا احساسيس "مرتل" المهتزة و أجواء التوتر التي تعيش فيها ( مدير التصوير في كلا الفيليمن هو Al Ruban الذي عمل أيضا كمدير إنتاج للعديد من أفلام جون كسافيتاس).
استطاع "كاسفيتاس "أن يخلق جوا مسرحيا بلقطات طويلة ثابتة ليس فقط في المشاهد التي صورت فوق خشبة المسرح. فغرفة "مرتل" في الفندق بديكورها المسرحي و اتساعها الهائل تشبه خشبة المسرح و تؤكد علي الخلط الواقع في حياتها بين العالمين ، و نحن نراها في غرفتها كما نراها فوق المسرح ، في لقطات طويلة ثابته، فحتي عالمها الخاص أصبح ملكا لجمهورها. هذا غير القطعات المونتاجيه المفاجأه و استخدام المرايا و عناصر أخري وظفت بشكل أو بأخر لتأكيد إنسياب العالمين و اشتباكهما.
يتنهي الفيلم نهاية يمكن أن نصفها بالسعيدة، مع أنها لا تقدم حلا و لا تجيب سؤالا. و لا نعرف هل اتنهت معاناة "ميرتل " أم أنها ستستمر و تتطور .. فيليوم العرض الأول بنيويورك، تأتي "مرتل" إلي المسرح في حالة مزرية، ثملة إلي الحد الذي لا يجعلها قادرة علي الوقوف، و لكن مخرج العرض الذي لاطالما وثق في قدراتها و أصر علي أن تلعب هي الدور رغم ما مرت به من أزمات، يتركها تسقط ثم تقف لتسقط مرة أخري و هكذا حتي تصل إلي المسرح ، تخرج للجمهور و تلعب دورها محاولة أن تتماسك بقدر ما تستطيع حتي تتغلب علي سكرها و تنطلق في أدائها و كأن عالم "ميرتل " الحقيقي ، هي المسرح، و هي إن كانت قد فشلت في العثور علي ذاتها في الحياة، فقد عثرت علي شخصية دورها فوق المسرح في أصعب الظروف و رغم الألم و الثمالة.
من دون "جينا رونالدز " لربما كان الفيلم فيلم أخر ، ليس بهذه الروعة و المصداقية. فأدائها كان مفتاح النجاح الذي توج بدب مهرجان برلين الفضي لأحسن ممثلة .

الخميس، 25 مارس 2010

أوغاد شائنون (Inglorious Basterds ) لتارنتينو ... الزيف يصنع التاريخ !


حاول الفكر الإنساني علي مدي عصوره أن يفلسف التاريخ صانعا له مسارات وهمية و مجبره على السير وفق قوانين مصطنعة ، متقدما تاره و متراجعا تارة أخرى، ناسخا ذاته، سائرا في دوائر ، صاعدا لمنحنيات أو هابطا منها. و الحق أن التاريخ يستعصي علي كل قالب و ينفر من كل قانون و يسخر من كل محاوله لتقييده في مسار فلسفي واهم. و الإنسان ينسى أنه "عارض" في تاريخ الكون، سطر واحدا في سفره الضخم فعمره على الإرض قصير إذا ما قورن بعمر الكون ، و عمر حضارته ـ المشكوك فيها! ـ أقصر كثيرا. فالإنسان كما يقول "فوكو" إختراع حديث بدأ العالم بدونه و سينتهي بدونه. و التاريخ لا غايه له و لا هدف يصيبه، و لا يختبأ خلفه جوهر أو يحركه قانون،إنه سلسلة من الصدف لا ضرورة لها بل كان من الممكن تجنبها أو استبدالها.


في أحدث أفلام "تارانتينو" "Inglorious Basterds" الذي تم عرضه في المسابقة الرسمية لمهرجان "كان" السينمائي الدولي لعام ٢٠٠٩ يقف "تارنتيونو" Quentin Tarantino موقف الفنان الحقيقي الذي يؤمن بالفن كمرادف لرؤية خاصة للعالم، مفارقة للوقائع في حالتها الباردة الباديه عليها و محلقة بها إلي أفق أرحب تتيح لها إمكانات لا نهائية للتمثل و ديناميكية حرة مستمرة لا يلزمها المنطق ، يسخر"تارنتينو " من الثابت، يسخر من التاريخ و يجرده من قداسته، يخلط الزيف بالحقيقه، فيبدو الزيف أكثر صدقا أو تصبح الحقيقة مجرد فرضا، إمكانيه من ضمن ممكنات عدة، لا قيمة لها في ذاتها، و لم تسد على غيرها إلا لأن الصدفة حكمت بذلك.


يقدم "تارنتينو " فيلم تاريخي، و لكنه لا يذهب إلي التاريخ و لا يهمه ما قالت كتبه، إنه يستدعي التاريخ إليه، يعرضه علي قلبه الشاعر و عقله الموهوب، يجوب به أرجاء عالمه بكل ما فيه من هواجس و مخاوف و جنون. و بدلا من أن يعيده علينا تذكيرا لنا أو وعظا نمصمص له الشفاه، يصفعه، يمارس حق الفنان في أن يسخر منه و يضحك عليه، بل في أن يبسق في وجه، و تكون البسقة ماء النار التي تذوب فيها ثوابته و مقداساته .


و التاريخ صناعته الأسطورة. و حقائقة ألعوبة الأهواء الدينية و السياسية و النفسية، فكتبه سجلات للاوعي الشعوب و أضغاث أحلامهم قبل أن تكون سجلات لما مروا به بالفعل من خطوب و وقائع ، و الأوغاد الشائنون هم أبطال "تاراتينو " الحقيقيون ، عفويون ، دموييون ، سفلة و إنسانيون في الوقت ذاته ، يرفعون تيجان التاريخ عن رؤوس أبطاله المزيفين و يفضحون مجرميه الذين تخفوا في أردية الأكاذيب الإعلاميه مثلما كانوا يجمعون فروات رؤوس من يقتلونهم من النازيين ، أو يوسمونهم فوق رؤرسهم بصليب معقوف فلا يستطيعون بعد ذلك أن يخدعوا أحدا، مدعيين البطولة متخفيين من عارهم متنصلين من جرمهم.


لقد أراد "تارنتينو" تحطيم "الحقيقة التاريخية " فقد أبى لها أن تتحطم إلا فوق أبطالها، أبطال التاريخ الذين هم في أغلب الأحيان جبناءه الذين صنعتهم صدف مجنونة و ظروف لا دخل لهم بها جعلتهم في واجه الأحداث و فوق أعناق الجماهير ،أسمائهم في الأفواه و ذكراهم في العقول و سيرتهم في الكتب و بقى الأبطال الحقيقين متوارين في الظلال ، من حسن بطولتهم أن الشهرة لا تعنيهم بل ربما زيفت سيرتهم ، ففي إحدي المشاهد يتعجب الكولنيل النازي "هانس لاندا " ( كرستوفر فالتس ) كيف أن أحد أعضاء فريق "الأوغاد " طويل القامة مع أنه اسم شهرته the little man .



يستحضر "تارنتينو" في فيلمه الحرب العالمية الثانيه ، و ينهيها في مكانه المفضل، في قاعه عرض سينمائية باريسية وقت الاحتلال الألماني لفرنسا، قدرت لها الصدفة العجيبة أن تستضيف رؤوس النازية لتحترق بهم جميعا. و هو يبقي على أبطال الحرب جميعهم ـ أو مجرميها ـ "هتلر" و" جوبلز" و "جورينج " و " بورمان " ، يأتي بهم جميعا إلي عالمه الخلاق، ثم يعيد خلق التاريخ على هواه، مخلوق جديد لا ينتمي للواقع بحال، مطبوع بروح خالقه المبدع في كل ملامحه، عشقه لهيتشكوك Hitchcock، للسينما الألمانيه التعبيرية في العشرينيات، لبابست Pabst و ريفنشتال Riefenstahl، لأفلام الحرب و أفلام الويسترن Westerns ، للنساء القويات الجميلات ذوات الإشعاع الكاريزمي و الولع بالثرثرة و الحوارات الطويلة الذكية و المرح الدموي المجنون. فالفيلم إن جاز التعبير "تارنترة " للتاريخ، فيلم تتكثف فيه طموحات صانعه في الحكي و الرؤية لتبلغ أقصاها منذ أن بدأ مشواره السينمائي الناجح في بداية التسعينات و العامر بالجوائز و التقديرات.


و هذا المقال ليس نقدا للفيلم بقدر ما هو إشارة إصبع ، نافذه لا تغني عن مشاهدته، فهو فيلم يستحق المشاهدة ، و ربما لأكثر من مرة فالمتعة مكفولة على كل حال ، و هو أكبر من الأوسكار التي رشح لها بين عدد من الأفلام الضعيفة ثم لم يفز بها و إن كان الممثل النمساوي "كريستوفر فالتس" قد حصل علي جائزة احسن ممثل مساعد، بجدارة لم يكن الجدال عليها ممكنا.