الأربعاء، 30 أبريل 2014
حتى نخرج للنهار .. هالة لطفي في دور العرض المصرية
السبت، 9 يونيو 2012
فهرنهايت 451 لفرنسوا تروفو .. في رثاء راي برادبري
ف هرنهايت ٤٥١ Fahrenheit 451الجمعة، 6 يناير 2012
حوار مع " فيم فندرس" حول "بينا".
الأربعاء، 21 ديسمبر 2011
"الجلد الذي أعيش فيه" لألمادوفار.. بيجماليون الأندلسي!

الجمعة، 6 أغسطس 2010
"المغامرة "L'Avventura لأنتونيوني و محنة الضمير الأوروبي.

إنتاج : إيطاليا/فرنسا ١٩٦٠
إخراج : مايكل أنجلو أنتونيوني Michelangelo Antonioni
بطولة : مونيكا فيتي Monica Vitti - جبرايل فريتستي Gabriele Ferzetti - ليا مساري Lea Massari
جوائز : لجنة التحكيم الخاصة مهرجان كان ١٩٦٠
في أرقى أحياء روما، تودع "آنا"Anna أبيها أمام فيلتهم الفخمة قبل أن تسافر في رحلة بحرية بين الصخور شمال إيطاليا. وداع جاف، يشي بسوء العلاقة بين الطرفين و عدم تقبل الأب( الديبلوماسي الثري ) لتصرفات ابنته.
و فجأة تظهر "كلاوديا " Claudia صديقة " آنا" التي سوف ترافقها في رحلتها. و لكنهما يتوجهان أولا إلي Sandro صديق "آنا" الذي ينوي الزواج منها رغم أننا نلمح أيضا أن علاقتهما لا تخلو من التوترات من دون أن نعرف أسباب واضحة لذلك. تصعد " آنا " إلي بيت صديقها تترك صديقتها في الشارع ، تندفع في عناقه و تقبيله بينما تراقب "كلاوديها " صدفة ما يدور بينهما من شباك غرفته المفتوح.
ينطلق ثلاثتهم بصحبة أصدقاء اخرين جميعهم من الأثرياء في رحلة بحرية فوق أحد اليخوت، حيث نتعرف على مختلف الشخصيات بالفيلم. يتوقفون للإستراحة فوق أحد الجزر الصخرية و هناك يثار خلاف ما بين "ساندرو " و "آنا' على أثره تبلغه "آنا" أنها تريد البقاء وحدها، يغفو "ساندرو" قليلا و في المشهد التالي يصحو على المفاجأة التي أقلقلت الجميع .. لقد اختفت "آنا" و لا أحد يعرف أين و لا كيف، و يكون الفيلم هو رحلة البحث عنها حيث يقرر "ساندرو " و "كلاوديا" أن يتولا المهمة لنفاجىء بقصة الحب الغريبة النامية بينهم.
" المغامرة " هو أول أفلام الرباعية التي أخرجها "انتونيوني" و قامت ببطولتها عشيقته في ذلك الوقت الممثلة "مونيكا فيتي " Monica Vitti حيث تلاه بعد ذلك " الليل " la notte عام ١٩٦١ ثم "الخسوف " l'eclisse ١٩٦٢ ثم "الصحراء الحمراء " il deserto rotto عام ١٩٦٤.
و تمثل هذه الرباعية أهم مرحلة في حياة " أنتونيوني " الفنية. و هي التي صنعت مجده كمخرج صاحب بصمة و أسلوب مميز و رائد من رواد الواقعية الإيطاليه- و قد كان خير من مثلها في أنضج و أخر مراحلها - التي غيرت شكل السينما في العالم كله و فتحت عصرا جديدا ودع رومانتيكية الأربعينيات و الخمسينيات بقصصها الساذجة و عبراتها الأخلاقية.
و لا تتشابه أفلام الرباعية في عناصرها الفنية من طريقة حكي ثورية، غير تقليدية و مشاهد بانورمية تلعب فيها اللقطات الطويلة دورا محوريا.. من موسيقي " جيوفاني فوسكو " ( باستثناء فيلم "الليل ") التي افتتحت عصر "التويست " في إيطاليا و مونتاج "إيرالدو دي روما " Erado de Roma و أداء "مونيكا فيتي " الهادئ و المثير بلا تصنع أو دلال .. لا تتشابه الرباعية في كل ذلك فحسب بل يمتد التشابه إلي ما عالجته من موضوعات.
في رباعية " انتونيوني " نحن بصدد اسقاط علي حال المجتمع الأوروبي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و الشعور العام باليآس و القلق و انهيار القيم التي انتظم عليها المجتمع منذ عصر التنوير. أزمة الضمير التي عبرت عن نفسها في الأدب و الفلسفة و الفنون التشكيلية لذلك العصر و جاء دور السينما لتقول هي الأخري كلمتها.
الاغتراب، ضياع الأحلام الكبيره و اللامعنى ، تفكك العلاقات الإنسانية و الطعن في مصداقيتها.. "ثيمات" جوهرية تكون الأفلام الأربعة تنويعات لها. تلعب "مونيكا فيتي " شخصيات فتيات أربع، كل منهن تعيش في وسط منحل رغم تماسكه الظاهر، كل منهن يتصارعن و عالم من صنع الرجال محاولات فرض ذواتهن و إثبات وجودهن، و إن انهزمن فالهزائم موقتة و الأمل يبيقهن علي طريقهن صامدات غير مباليات بأعراف مجتمع قد تفسخت قيمه و انهارت أخلاقه. فالذي دفع "كلاوديا" الي التمادي في علاقتها مع عشيق صديقتها و مغالبة بقايا ضميرها هو لا مبالة وسطها بل و انحلاله.
الفيلم بعد فترة قصيرة من اختفاء " آنا " يتجاهلها تماما و تصبح رحلة البحث عنها شهر العسل لخائنيها العاشقين. و هو ما أثار تزمر جمهور مهرجان "كان " في العرض الأول. ثم أن أصدقاء "آنا" الذين كانوا معها فوق اليخت لم تعد تشغلهم قضية اختفائها بتاتا و عاد كل منهم إلي حياته كأنها لم تكن.
ربما كانت " آنا " كناية عن الضمير الغائب لهذا الوسط المنحل، فقد كانت الشخص الوحيد الرافض للحلول الوسط، لمسايرة الأوضاع و مرواغة المباديء وإنتهاز الفرص، بعكس أصدقاؤها اناس بلا مبادئ أو مواقف.
و الفيلم باستثناء حادث "إنا " ليس في أحداثه غموضا و أبطاله على طبيعتهم، عرايا النفوس لا يخبئون أسرارا، يخونون علي الملئ و لا يتحرجون. فصديقة "كلاوديا" تطلب منها أن تصحبها في أثناء زيارتها لأستوديو فني لمراهق في السابعه عشر بحجة أنها تخشى أن ينفرد بها و حين يقترب منها تتمادى في تقبيله ضاححة،ماجنة على مسمع و مرأي من "كلاوديا" التي تفاجئ بأن صديقتها تفتح لها الباب داعية إياها للخروج..
ثم أن علاقة "ساندرو" و "كلاوديا" تصير واضحة للعيان و مع ذلك يبقى أصدقائهم على لا مبالتهم و لا يدفع ذلك أحدا إلى النقد أو الاستنكار. "ساندرو" نفسه يعترف في أحد المشاهد بأنه سطحي، مستغل، بلا مبادئ ، يسير مع التيار أينما حل، ثم أن دموعه في نهاية الفيلم التي أرزفها ندما بعد أن تكشف "كلاوديا" خيانته له هي على الأرجح ليست الأولى و ربما لن تكون الأخيرة. صحيح أن الفيلم ينتهي و لكنه يترك فينا الشعور بأنه لن يتغير و أن خياناته ستستمر سواء "لكلاوديا" أو لغيرها. شخصيات الفيلم كلها باردة الشعور، تتعاطف و لكنها تمل من عواطفها سريعا و تعود إلى حيادها ولا مبالتها.
ابتدع " أنتونيوني " لغة سينمائية جديدة تأثرت بها بعد ذلك مختلف تيارات سينما المؤلف Auteurs في العالم ليس فقط على مستوي طريقة الحكي و لكن أيضا في جماليات تصميم الكادر و حركة الممثلين داخله Mise en scène حيث اللقطات الخارجية الطويلة داخل مساحات شاسعة تلعب فيها العمارة دورا رئيسيا في تشكيل خلفية المشهد. بالإضافة لاستخدام عناصر أخرى كالأشجار و الصخور، أو السماء الملبدة بالغيوم مثلا التي استغلها "انتونيوني " للإيحاء بالحالة النفسية لأبطاله. و لوحات الفيلم درس في كيفية تشكيل الكادرات و إثرائها بطاقات تعبيرية لا محدودة و هي تبرز مدى تأثر "أنتونيوني" بالفن التشكيلي و خاصا صديقه الفنان الإيطالي "جورجو دي كيريكو " Giorgio de Chirico و هو ما يشير إليه الكثير من النقاد باستمرار حين يكتبون عن أفلام "أنتونيني" في سنوات الستينيات و السبعينيات .
الخميس، 29 يوليو 2010
" ليلة الإفتتاح " أو Opening Night لجون كسافيتاس : حتي النجوم تشيخ !

Opening Night
إنتاج : ١٩٧٧- الولايات المتحدة الأمريكية
إخراج : جون كسافيتس
بطولة : جينا رونالدز - بن جازارا Ben Gazzara - جون كسافيتاس - جوين بلونديل Joan Blondell
الجوائز : الدب الفضي في مهرجان برلين ١٩٧٧ أحسن ممثلة
مدة الفيلم : ١٤٤ دقيقة
في عام ١٩٧٤ قدم " جون كسافيتس " John Cassavetas فيلمه الشهير " إمرآة تحت ضغط " A woman under Influence من بطولة زوجته في ذلك الوقت النجمة " جينا رونالدز " Gena Rownlads التي لعبت فيه أفضل أدوراها، عن المعاناة النفسية لإمرآة و أم في منتصف العمر تتصاعد أزمتها لتلقي بها إلي حافة الجنون. و هو من أفضل الأفلام في تاريخ السينما رغم أنه لم يلقى من النقاد العناية التي يستحقها. و بعد نجاح التجربة كان موعدنا مع الفيلم التالي الذي كتبه "كسافيتاس " كذلك و منح دور البطولة لنجمته المتألقة "رونالدز " و تكون قصة "Opening Night " أيضا عن إمرآة معذبة، و لكن عذابها هذه المرة ليس جنونا،إنما أزمة منتصف العمر أو ما يسمى بسن اليآس و هواجسه التي لا ترحم أي أمرآة تبلغه. فما بالنا بنجمة ، عاشت في الأضواء و بالأضواء و اعتادت تصفيق الجمهور و وولهه بها .. ما بالنا بمخاوف انحسار الشهرة و انسحاب بساط النجاح ؟!
بطلتنا هي " ميرتل جوردون " نجمة مسرحية مرموقة، شقراء لا تفارق السيجارة و الكأس و لا نظارتها ذات العيون الكبيرة السوداء، حالة تشبه نجمات الأبيض و الأسود أو نجمات الأوبرا أو المسرح الأسطوريات. و يبدو لنا من اللحظات الأولى أنها تتمتع بقمة النجاح والشهرة. فجمهورها ألوفا مؤلفة تهتف إعجابا بها و تتدافع لنيل توقيع منها.
و بعد نهاية إحدي عروضها تغادر المسرح لتتناول العشاء مع فريق العمل فتندفع تجاه سيارتها إحدي المعجبات المتيمات بها، فتاة صغيرة لا نرى ملامحها بوضوح و لكننا نعرف أنها في السابعة عشر من عمرها .. " أحبك .. أحبك .. أنا متيمة بك " تهتف بها في حالة شبه هيسترية قبل أن تدهمها سيارة مسرعة و ترديها قتيلة ( بداية شبيها ببداية فيلم " كل شيء عن أمي " Todo sobre mi madra لألمادوفار ).
و تكون هذه الحادثة هي القشة التي قسمت ظهر البعير. فعلى أثرها تبدأ أزمة "ميرتل " مع نفسها و مهنتها كممثلة و مع دورها في المسرحية التي تلعبها مؤخرا، دور إمرآة في نهاية عقدها الرابع( كانت"جينا رونالدز" وقتها في ال٤٧ من عمرها ) يرعبها الزمن الزاحف عليها مسرعا و يؤلمها فشلها في الحب و مصير إمرآة وحيدة علي موعد مع الذبول بلا عشيق و لا أسرة. لا تستطيع "ميرتل " أن تجد سبيلا لتمثل دورها علي وجه مرضي ، تطاردها الهواجس و يختلط الوهم بالحقيقة ، تعذبها شخصيتها الجديدة فلا تستطيع التفريق بين دورها فوق المسرح و دورها في الحياة ، لا تستطيع أن تتعرف على نفسها، و هو أمر ليس باليسير على من قضي عمره يلعب أدورا ليست له.
في إحدي البروفات يكون من المفروض أن تتلقى " ميرتل " صفعة، فتسقط علي أثرها أرضا و تصرخ في ألم و يصفق المنتج في البداية بعد أن أوحى له الأمر في بدايته أن "ميرتل" قد اندمجت في دورها و أدت اللحظة الدرامية في إجادة تامة. و لكن يتضح بعد ذلك أن ميرتل فقدت في هذه اللحظة السيطرة علي نفسها و أن الصفعة - التي لم تكن جادة و لا مؤلمة - قد هوت بها فانهارت فوق الأرض و انهار معها الحاجز الفاصل بين شخصيتها و بين "فرجينيا" التي تلعبها.
و في حوار تلا ذلك الحادث تحاول المؤلفة أن تشرح الشخصية لميرتل لتساعدها علي أدائها ..
- " آنها مثلي و مثلك .. أمرآة تريد أن تحب و لكن الوقت قد تأخر .. لابد و إنك تعرفين هذا الشعور جيدا ... ميرتل .. قولي لي كم عمرك ؟! ".
لا تستلم "مرتل " لتساؤل المخرجة الخبيث و ملا حظتها الذكية .. و لا تجيب .. لا تجيب هذا السؤال رغم تكراره طوال الفيلم ، رافضه الإعتراف بالزمن و الإستسلام و رافضه الإندماج في شخصية تضعها في مواجهة مع نفسها و أداء نصا يكشف لها قسوة الحقيقة، و قبل أن يسلب منها الدور قناعتها تعاتب المؤلفة في مقاومة من يعرف أنه قد سقط و تسألها " ... "و ماذا عن الأمل ؟! ".
يتصاعد الصراع داخل "ميرتل " و يزداد ألمها و يتجسد لها شبابها الفائت في صورة الفتاة المقتولة، فتطاردها كابوسا يعذبها في يقظتها، يؤنبها و يجبرها على مواجهة حقيقة قطار العمر المقبل مسرعا مهددا مستقبلها كفنانة و كإنسانة لم تعيش عاطفتها كأمرآة و لم تعرف الحب الحقيقي ، و جاء إدراكها لذلك متأخرا أو في الوقت الضائع.
و إذا كانت "ثيمة" " إمرآة تحت ضغط " هي عذاب "مابل" التي فقدت الخيط بين العقل و الجنون و صارت ضائعة بين العالمين،لا راحة لها في أيي منهما. فإن إضطراب "مارتل" النفسي هنا ، مؤقت، عارض، أو هي علي الأقل تعتبره كذلك و تعلله بصعوبة الدور و الظروف الصعبة التي مرت بها بعد مقتل الفتاة. و هي و إن حافظت علي هذا الخيط فقد فقدت خيطا أخر ، ألا و هو ذلك الذي يفصل الواقع و الخيال، الحياة و المسرح ، "مرتل" و "فرجينيا" . إن الفيلم هو قصة محنتها حين اختلطت عليها الصور و اتحد العالمين، حين قفدت المقدرة علي التمييز بينهما و استرداد ذاتها.
استطاعت حركات الكاميرا القلقة التي تعطيك الشعور و للوهلة الأولي أنها تتحرك بإرتجالية طليقة و لكنها بليغة، أن تنقل لنا احساسيس "مرتل" المهتزة و أجواء التوتر التي تعيش فيها ( مدير التصوير في كلا الفيليمن هو Al Ruban الذي عمل أيضا كمدير إنتاج للعديد من أفلام جون كسافيتاس).
استطاع "كاسفيتاس "أن يخلق جوا مسرحيا بلقطات طويلة ثابتة ليس فقط في المشاهد التي صورت فوق خشبة المسرح. فغرفة "مرتل" في الفندق بديكورها المسرحي و اتساعها الهائل تشبه خشبة المسرح و تؤكد علي الخلط الواقع في حياتها بين العالمين ، و نحن نراها في غرفتها كما نراها فوق المسرح ، في لقطات طويلة ثابته، فحتي عالمها الخاص أصبح ملكا لجمهورها. هذا غير القطعات المونتاجيه المفاجأه و استخدام المرايا و عناصر أخري وظفت بشكل أو بأخر لتأكيد إنسياب العالمين و اشتباكهما.
يتنهي الفيلم نهاية يمكن أن نصفها بالسعيدة، مع أنها لا تقدم حلا و لا تجيب سؤالا. و لا نعرف هل اتنهت معاناة "ميرتل " أم أنها ستستمر و تتطور .. فيليوم العرض الأول بنيويورك، تأتي "مرتل" إلي المسرح في حالة مزرية، ثملة إلي الحد الذي لا يجعلها قادرة علي الوقوف، و لكن مخرج العرض الذي لاطالما وثق في قدراتها و أصر علي أن تلعب هي الدور رغم ما مرت به من أزمات، يتركها تسقط ثم تقف لتسقط مرة أخري و هكذا حتي تصل إلي المسرح ، تخرج للجمهور و تلعب دورها محاولة أن تتماسك بقدر ما تستطيع حتي تتغلب علي سكرها و تنطلق في أدائها و كأن عالم "ميرتل " الحقيقي ، هي المسرح، و هي إن كانت قد فشلت في العثور علي ذاتها في الحياة، فقد عثرت علي شخصية دورها فوق المسرح في أصعب الظروف و رغم الألم و الثمالة.
من دون "جينا رونالدز " لربما كان الفيلم فيلم أخر ، ليس بهذه الروعة و المصداقية. فأدائها كان مفتاح النجاح الذي توج بدب مهرجان برلين الفضي لأحسن ممثلة .
الخميس، 25 مارس 2010
أوغاد شائنون (Inglorious Basterds ) لتارنتينو ... الزيف يصنع التاريخ !

في أحدث أفلام "تارانتينو" "Inglorious Basterds" الذي تم عرضه في المسابقة الرسمية لمهرجان "كان" السينمائي الدولي لعام ٢٠٠٩ يقف "تارنتيونو" Quentin Tarantino موقف الفنان الحقيقي الذي يؤمن بالفن كمرادف لرؤية خاصة للعالم، مفارقة للوقائع في حالتها الباردة الباديه عليها و محلقة بها إلي أفق أرحب تتيح لها إمكانات لا نهائية للتمثل و ديناميكية حرة مستمرة لا يلزمها المنطق ، يسخر"تارنتينو " من الثابت، يسخر من التاريخ و يجرده من قداسته، يخلط الزيف بالحقيقه، فيبدو الزيف أكثر صدقا أو تصبح الحقيقة مجرد فرضا، إمكانيه من ضمن ممكنات عدة، لا قيمة لها في ذاتها، و لم تسد على غيرها إلا لأن الصدفة حكمت بذلك.
يقدم "تارنتينو " فيلم تاريخي، و لكنه لا يذهب إلي التاريخ و لا يهمه ما قالت كتبه، إنه يستدعي التاريخ إليه، يعرضه علي قلبه الشاعر و عقله الموهوب، يجوب به أرجاء عالمه بكل ما فيه من هواجس و مخاوف و جنون. و بدلا من أن يعيده علينا تذكيرا لنا أو وعظا نمصمص له الشفاه، يصفعه، يمارس حق الفنان في أن يسخر منه و يضحك عليه، بل في أن يبسق في وجه، و تكون البسقة ماء النار التي تذوب فيها ثوابته و مقداساته .
و التاريخ صناعته الأسطورة. و حقائقة ألعوبة الأهواء الدينية و السياسية و النفسية، فكتبه سجلات للاوعي الشعوب و أضغاث أحلامهم قبل أن تكون سجلات لما مروا به بالفعل من خطوب و وقائع ، و الأوغاد الشائنون هم أبطال "تاراتينو " الحقيقيون ، عفويون ، دموييون ، سفلة و إنسانيون في الوقت ذاته ، يرفعون تيجان التاريخ عن رؤوس أبطاله المزيفين و يفضحون مجرميه الذين تخفوا في أردية الأكاذيب الإعلاميه مثلما كانوا يجمعون فروات رؤوس من يقتلونهم من النازيين ، أو يوسمونهم فوق رؤرسهم بصليب معقوف فلا يستطيعون بعد ذلك أن يخدعوا أحدا، مدعيين البطولة متخفيين من عارهم متنصلين من جرمهم.
لقد أراد "تارنتينو" تحطيم "الحقيقة التاريخية " فقد أبى لها أن تتحطم إلا فوق أبطالها، أبطال التاريخ الذين هم في أغلب الأحيان جبناءه الذين صنعتهم صدف مجنونة و ظروف لا دخل لهم بها جعلتهم في واجه الأحداث و فوق أعناق الجماهير ،أسمائهم في الأفواه و ذكراهم في العقول و سيرتهم في الكتب و بقى الأبطال الحقيقين متوارين في الظلال ، من حسن بطولتهم أن الشهرة لا تعنيهم بل ربما زيفت سيرتهم ، ففي إحدي المشاهد يتعجب الكولنيل النازي "هانس لاندا " ( كرستوفر فالتس ) كيف أن أحد أعضاء فريق "الأوغاد " طويل القامة مع أنه اسم شهرته the little man .
يستحضر "تارنتينو" في فيلمه الحرب العالمية الثانيه ، و ينهيها في مكانه المفضل، في قاعه عرض سينمائية باريسية وقت الاحتلال الألماني لفرنسا، قدرت لها الصدفة العجيبة أن تستضيف رؤوس النازية لتحترق بهم جميعا. و هو يبقي على أبطال الحرب جميعهم ـ أو مجرميها ـ "هتلر" و" جوبلز" و "جورينج " و " بورمان " ، يأتي بهم جميعا إلي عالمه الخلاق، ثم يعيد خلق التاريخ على هواه، مخلوق جديد لا ينتمي للواقع بحال، مطبوع بروح خالقه المبدع في كل ملامحه، عشقه لهيتشكوك Hitchcock، للسينما الألمانيه التعبيرية في العشرينيات، لبابست Pabst و ريفنشتال Riefenstahl، لأفلام الحرب و أفلام الويسترن Westerns ، للنساء القويات الجميلات ذوات الإشعاع الكاريزمي و الولع بالثرثرة و الحوارات الطويلة الذكية و المرح الدموي المجنون. فالفيلم إن جاز التعبير "تارنترة " للتاريخ، فيلم تتكثف فيه طموحات صانعه في الحكي و الرؤية لتبلغ أقصاها منذ أن بدأ مشواره السينمائي الناجح في بداية التسعينات و العامر بالجوائز و التقديرات.
و هذا المقال ليس نقدا للفيلم بقدر ما هو إشارة إصبع ، نافذه لا تغني عن مشاهدته، فهو فيلم يستحق المشاهدة ، و ربما لأكثر من مرة فالمتعة مكفولة على كل حال ، و هو أكبر من الأوسكار التي رشح لها بين عدد من الأفلام الضعيفة ثم لم يفز بها و إن كان الممثل النمساوي "كريستوفر فالتس" قد حصل علي جائزة احسن ممثل مساعد، بجدارة لم يكن الجدال عليها ممكنا.



